PDF Archive

Easily share your PDF documents with your contacts, on the Web and Social Networks.

Share a file Manage my documents Convert Recover PDF Search Help Contact



223.pdf


Preview of PDF document 223.pdf

Page 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12

Text preview


‫بسم هللا الرحمن الرحيم‬

‫يجعل الل ُه تعاىل من أحداث الدنيا آيات‬
‫يَعتربُ بها من كان له قلبٌ أو ألقى‬
‫السم َع وهو شهيد‪ ،‬ليهديهم إىل الرصاط‬
‫املستقيم‪ ،‬ويرصف عنهم السوء‪ ،‬لريوا‬
‫عني اليقني أن ال منجى من الله إال إليه‪،‬‬
‫وأن ال نافع وال ضار من دونه سبحانه‪،‬‬
‫فأما أصحاب القلوب الواعية واألفئدة‬
‫الذاكرة املنتبهة فإنهم يدركون معاني‬
‫من هذه اآليات ال يدركها مَ ن طمَ َس‬
‫الل ُه عىل قلوبهم وأعمى أبصا َرهم فتم ّر‬
‫ُ‬
‫والحقائق دون أن يُلقوا‬
‫أمامهم العربُ‬
‫لها باالً‪ ،‬وال ينتفعون بها‪ ،‬فال تزيدهم إال‬
‫ضالالً‪.‬‬
‫وهكذا نجد يف كثري من آيات الله سبحانه‬
‫املنزلة يُخاطب املرشكني الذين ال يؤمنون‬
‫بها أن يلتفتوا إىل آياته القدرية فيعتربوا‬
‫بها إذْ لم ينفعهم رصيحُ التنزيل‪ ،‬فال‬
‫يحتاجون لذلك إال أن يستعملوا أبصارهم‬
‫وأسماعهم التي أعطاهم إياها‪ ،‬ويف ّكروا‬
‫بعقولهم التي وهبها لهم‪ ،‬فيدركوا أنهم‬
‫عىل ضالل مبني‪ ،‬وأن الحق كل الحق يف‬
‫اتّباع التنزيل وطاعة األنبياء واملرسلني‬
‫الذين نزل عليهم الكتاب‪.‬‬
‫فأنكر عىل من أرشك معه أحدا ً يف الخلق‬
‫ات‬
‫السمَ ا َو ِ‬
‫بقوله جل جالله‪{ :‬أَمَّ ْن َخ َل َق َّ‬
‫َو ْال َ ْر َ‬
‫السمَ ا ِء مَ ا ًء‬
‫ض َوأَن ْ َز َل َل ُك ْم ِم َن َّ‬
‫ات بَهْ جَ ةٍ مَ ا َك َ‬
‫َفأَنْبَتْنَا ِبهِ حَ دَائ َِق ذَ َ‬
‫ان‬
‫َل ُك ْم أ َ ْن تُن ْ ِبتُوا َشجَ َر َها أَإ ِ َل ٌه مَ َع ال َّلهِ بَ ْل‬
‫ون * أَمَّ ْن جَ عَ َل ْال َ ْر َ‬
‫ُه ْم َق ْو ٌم يَعْ ِدلُ َ‬
‫ض‬
‫َق َرا ًرا َوجَ عَ َل خِ َل َلهَ ا أَنْهَ ا ًرا َوجَ عَ َل َلهَ ا‬
‫اس َوجَ عَ َل ب ْ َ‬
‫اج ًزا أَإ ِ َل ٌه‬
‫َر َو ِ َ‬
‫َي ا ْلبَحْ َري ِْن حَ ِ‬
‫َ‬
‫َ‬
‫مَ َع ال َّلهِ بَ ْل أ ْكث ُر ُه ْم َل يَعْ َلم َ‬
‫ُون} [النمل‪:‬‬
‫‪ ،]61-60‬وأنكر عىل من أرشك معه‬
‫أحدا ً سبحانه يف العبودية بقوله‪{ :‬أَمَّ ْن‬

‫َ َّ َ ْ‬
‫ضل من‬
‫َ ْ ُ َ َّ‬
‫تدعون ِإل‬
‫َّ ُ‬
‫ِإياه‬
‫ط َّر إِذَا دَعَ ا ُه َويَ ْك ِش ُ‬
‫ُض َ‬
‫ي ُِجيبُ ا ْلم ْ‬
‫ف‬
‫السو َء َويَجْ عَ لُ ُك ْم ُخ َل َفا َء ْال َ ْر ِض أَإ ِ َل ٌه مَ َع‬
‫ُّ‬
‫َ‬
‫ال َّلهِ َقل ً‬
‫ِيل مَ ا تَذَ َّك ُر َ‬
‫ون * أمَّ ْن يَهْ ِدي ُك ْم ِف‬
‫ُ‬
‫ظلُمَ ِ‬
‫ب َوا ْلبَحْ ِر َومَ ْن يُ ْر ِس ُل ال ِّريَاحَ‬
‫ات ا ْل َ ِّ‬
‫َي يَدَيْ َرحْ مَ تِهِ أَإ ِ َل ٌه مَ َع ال َّلهِ تَعَ َ‬
‫ُشا ب ْ َ‬
‫ال‬
‫بْ ً‬
‫ُش ُك َ‬
‫ون} [النمل‪.]63-62 :‬‬
‫ال َّل ُه عَ مَّ ا ي ْ ِ‬
‫ومن أعظم األدلة العقلية التي أنزلها‬
‫الله تعاىل عىل عباده‪ ،‬أن جعل دلي َل‬
‫ضالل املرشكني يف أنفسهم وأفعالهم‪،‬‬
‫فهم يزعمون النفع والرض يف أوليائهم‪،‬‬
‫ثم ْ‬
‫إن خافوا الهالك دعوا الله مخلصني‬
‫له ونسوا رشكاءهم‪ ،‬ولو كانوا يؤمنون‬
‫حقا ً بقدرة أوليائهم عىل النفع أو الرض‪،‬‬
‫أو يوقنون أنهم شفعاء إىل الله تعاىل‬
‫يستجلب بدعائهم النفع ودفع الرض‪ ،‬ملا‬
‫تركوا رشكهم ساعة الضيق والعرس‪،‬‬
‫وتمسكوا به وقت الفرج واليرس‪ ،‬قال‬
‫الض ِف ا ْلبَحْ ِر‬
‫تعاىل‪َ { :‬وإِذَا مَ َّس ُك ُم ُّ ُّ‬
‫َ‬
‫ض َّل مَ ْن تَدْعُ َ‬
‫ون إ ِ َّل إِيَّا ُه َف َلمَّ ا نَجَّ ا ُك ْم إ ِ َل‬
‫ب أَعْ َر ْ‬
‫ضتُ ْم َو َك َ‬
‫الن ْ َسا ُن َك ُفو ًرا *‬
‫ا ْل َ ِّ‬
‫ان ْ ِ‬
‫أ َ َفأ َ ِمنْتُ ْم أ َ ْن ي َْخ ِس َ‬
‫ب أ َ ْو‬
‫ف ِب ُك ْم جَ انِبَ ا ْل َ ِّ‬
‫اصبًا ث ُ َّم َل تَ ِجدُوا َل ُك ْم‬
‫يُ ْر ِس َل عَ َليْ ُك ْم حَ ِ‬
‫َ‬
‫َوك ً‬
‫ِيل * أ َ ْم أ َ ِمنْتُ ْم أ ْن يُعِ ي َد ُك ْم فِ يهِ تَا َر ًة‬
‫يح‬
‫ي ِس َل عَ َليْ ُك ْم َق ِ‬
‫أ ُ ْخ َرى َف ُ ْ‬
‫اص ًفا ِم َن ال ِّر ِ‬
‫َفي ُْغ ِر َق ُك ْم ِبمَ ا َك َف ْرتُ ْم ث ُ َّم َل تَ ِجدُوا َل ُك ْم‬
‫عَ َليْنَا ِبهِ تَ ِبيعً ا} [اإلرساء‪.]69-67 :‬‬
‫وإن لنا يف الرافضة املرشكني اليوم آية‬
‫وعربة‪ ،‬فهم يعبدون آل البيت من دون الله‬

‫العدد ‪٢٢٣‬‬
‫الخميس ‪ ٣‬رجب ‪ 1441‬هـ‬

‫تعاىل‪ ،‬ويزعمون أنهم رشكاؤه سبحانه‬
‫يف النفع والرض‪ ،‬فمنهم من يكذب عليه‬
‫ج َّل جالله ويزعم أنه قد فوّ ض إليهم‬
‫أمر الخلق يف الدنيا واآلخرة‪ ،‬ومنهم من‬
‫يكذب عليه ع َّز شأنه فيزعم أنهم شفعاء‬
‫الناس إىل ربهم‪ ،‬فبدعائهم من دون الله‬
‫تعاىل تُفتح أبواب الخري وتُغلق أبواب‬
‫الرش‪ ،‬ويزعمون أن من يدعونهم أحياء‬
‫بينهم يسمعون ويبرصون‪ ،‬ويعينونهم‬
‫وينرصون‪ ،‬ويكشفون عنهم الرض إن‬
‫ابتالهم الله به‪ ،‬ويفيضون عليهم من‬
‫الخري إن أمسكه الله عنهم‪ ،‬تعاىل الله عما‬
‫يقولون علوا ً كبرياً‪.‬‬
‫وإن ابتالهم الله تعاىل باألمراض‬
‫واألسقام‪ ،‬شدوا الرحال إىل القبور‬
‫واألرضحة‪ ،‬ليطوفوا حولها طواف‬
‫املسلمني بالكعبة‪ ،‬ويسجدوا لها‬
‫سجود املؤمنني يف الصالة‪ ،‬وق َّربوا لها‬
‫األضاحي والقرابني‪ ،‬تقريب املوحدين‬
‫ما تجود به أنفسهم يف النسك‪ ،‬ويعطون‬
‫لكل قرب من القبور خصائص له يف‬
‫شفاء األدواء والعلل‪ ،‬فلكل مرض قربٌ‬
‫يُزار ووث ٌن يعبد من دون الله تعاىل‪،‬‬
‫ولكل نوع من االبتالءات قربات معيّنة‬
‫وعبادات مخصوصة يتقربون بها إىل‬
‫األوثان‪ ،‬ويكثرون من الدعاوى الكاذبة‬
‫عن فوائد تراب األرض التي نُصبت فيها‬
‫تلك األوثان وغبار نعال من يزورها‬
‫يف شفاء كل األمراض دون حرص‪،‬‬
‫فيم ّرغون بها وجوههم‪ ،‬ويفركون‬
‫بها أبدانهم‪ ،‬بل ويأكلون تلك األتربة‬
‫ويرشبون منقوعها‪ ،‬قاتلهم الله أنى‬
‫يؤفكون‪.‬‬
‫ثم هم اليوم قد ابتالهم الله تعاىل‬

‫االفتتاحية ‪3‬‬

‫بانتشار مرض قاتل يف املدينة التي‬
‫تضم عديدا ً من أوثانهم‪ ،‬وتع ُّد من أهم‬
‫مراكز نرش دينهم الباطل‪ ،‬وفيها يقيم‬
‫أكابر طواغيتهم الذين يهدونهم إىل‬
‫سواء السعري‪ ،‬فهلك وأصيب به العرشات‬
‫منهم‪ ،‬ومنها بدأ ينتقل مع زائري األوثان‬
‫وعابدي القبور إىل مختلف األنحاء‪ ،‬وقد‬
‫علموا أن أوىل بؤر انتشار املرض كانت‬
‫يف تلك املعابد الوثنية التي يجتمعون فيها‬
‫ليرشكوا بالله العظيم‪ ،‬ويدعوا املوتى‬
‫واملقبورين طلبا ً للنفع وكشف الرض من‬
‫دونه سبحانه‪.‬‬
‫فما كان منهم إال أن قيَّدوا حركة الناس يف‬
‫تلك املدينة‪ ،‬وقيَّدوا زيارة الناس إىل تلك‬
‫األوثان‪ ،‬بل وامتد ذلك النتشار تحذيرات‬
‫من االجتماع عىل أوثانهم األخرى يف كل‬
‫مكان‪ ،‬خشية أن يتسبب االزدحام عليها‬
‫بانتقال العدوى بينهم‪ ،‬ونيس هؤالء‬
‫أن األوثان التي يصدون الناس عنها‬
‫اليوم خشية األمراض‪ ،‬وأن القبور التي‬
‫يغمرونها اليوم باألدوية واملعقمات‬
‫للمتمسحني بها من العدوى‪ ،‬هي‬
‫حماية‬
‫ّ‬
‫ذاتها التي كانوا يزعمون فيها الشفاء من‬
‫كل داء‪ ،‬وأن يف تربتها الرباء من كل علة‪،‬‬
‫وأن يف التمسح بها العافية من كل سقم‪،‬‬
‫وأن بمخالطة زوارها النجاة يف الدنيا‬
‫واآلخرة‪.‬‬
‫ولعل يف هذه اآلية من آيات الله تعاىل‬
‫تنبيها ً لهم إىل سفاهة عقولهم وعمى‬
‫ً‬
‫وهداية لبعضهم إىل ترك ما‬
‫بصائرهم‪،‬‬
‫هم عليه من اإلرشاك بالله سبحانه‪ ،‬وداللة‬
‫لهم إىل توحيد ربهم وطلب النفع وكشف‬
‫الرض منه وحده ج َّل جالله‪ ،‬والله يهدي‬
‫من يشاء وبما يشاء إىل رصاط مستقيم‪.‬‬