الباب الرابع
مقاصد النظام االجتماعي والمالي لألسرة
تمهد
تعترب األسرة مؤسسة مصغرة يف ننسيج اجملتمع املتشابك العالقات ،ومعلوم أنه ال بد يف كل مؤسسة أن
يكون هلا نظام تقوم عليه وقانون سار حتتكم له ويرجع اليه أفرادها يف كل حال حىت تسري تلك املؤسسة سريا حسنا
يف توازن وتناسق ،وتتفادى الوقوع يف أي تضارب يف االراء أو تنازع يف الصالحيات املخولة لكل فرد أو طرف.
ان األسرة يف حاجة اىل أن تسري وفق نظام اداري واجتماعي واضح حيرتمه مجيع أعضائها ،ويستوعب
التغريات احلاصلة يف حياهتم ،كما أهنا يف حاجة اىل نظام مايل مرن يضبط النفقات وحيدد مسؤولية األفراد وحقوقهم
وواجباهتم املالية ،وهذا ما سنراه يف هذا الباب الذي جعلته فصلني:
الفصل األول :مقاصد النظام االجتماعي لألسرة يف اإلسالم.
الفصل الثاين :مقاصد النظام املايل لألسرة يف اإلسالم.
الفصل األول
مقاصد النظام االجتماعي لألسرة
طبيعة األسرة في النظام اإلسالمي:
لقد وجد اإلسالم الناس على كثري من األعراف والقوانني اليت حتكم عالقاهتم االجتماعية وأفراد األسرة
ووضع كل طرف فيها ،وسلك مسلك التغيري واإلصالح تارة والتقرير تارة أخرى حبسب ما يتضمن السلوك من خمالفة
أو موافقة ودرجة كل منهما ،ومل يبادر بإلغاء مجيع ما ألفى الناس عليه بل تعامل مع كل عادة أو وضع حبسبه فأبطل
بعضاً منها ملخالفتها الصرحية ملبادئ الشريعة واحنرافها الكبري عن الفطرة والعقول السليمة كوأد البنات الناشئ عن
النظرة السيئة لألنثى:
[ النحل .]85-85 :
لقد اختلفت عادات اجملتمع اجلاهلي سلباً وإجياباً ضرراً ونفعاً ،ولذلك اختلف موقف اإلسالم منها قبوالً
أجل البت فيه لفرته قادمة حبسب حجم ضرر
ورداً ،بل إن مما َّ
رده ما سارع إىل إبطاله وإلغائه أوال األمر ومنه ما َّ
التمسك به والتخلي عنه ،ومراعاة حلداثة عهد الناس باجلاهلية ودرجة استمساكهم باملعهود على النحو الذي يتطلب
بناء عقديا سليما للتخلي عنه.
ِ
ِ
بعضها إ ْذ مل تكن مجيعها
لقد قَبِل
بعض العادات العربية الصلحة املتعلقة باحلياة األسرية وألغى َ
اإلسالم َ
ُ
ِ
ِ
َّ
اجملتمع
باطلة َّ
ب منا الوقوف على حال األسرة وطبيعتها يف َ
ضارة كما مل تكن صحيحة نافعة أيضاً ،وهذا األمر يتطل ُ
يقول اإلمام ابن عاشر :أن للتشريع مقامني:
املقام األول :تغيري األحوال الفاسدة وإعالن فسادها ،...والتغيري قد يكون إىل شدة على الناس رعيا لصالحهم ،وقد يكون إىل ختفيف إبطاال لغلوهم.
واملقام الثاين :تقرير أحوال صاحلة قد اتبعها الناس وهي األحوال املعرب عنها باملعروف ...وأنت إذا افتقدت األشياء اليت انتحاها البشر منذ القدم وأقاموا
عليها قواعد املدنية البشرية جتدها أمورا كثرية من الصالح واخلري توورثت من نصائح اآلباء واملعلمني واملربني والرسل واحلكماء واحلكام العادلني حىت
رسخت يف البشر مثل إغاثة امللهوف ودفع الصائل وحراسة القبيلة واملدينة والتجمع يف األعياد واختاذ الزوجة وكفالة الصغار واملرياث .مقاصد الشريعة
اإلسالمية ص . 01 – 01
اإلسالم منها والذي أبقى عليه ،وما مدى مراعاة التشريع
غريه
العريب يف اجلزيرة – مهبط الوحي – وما الذي َّ
ُ
لألعراف القائمة وضوابطه ومىت ال يلتفت إىل األعراف وال يلقى هلا بال؟ وهذا ألمهية التمييز بني اجلانب العريف
اخلاضع للتغري وبني اجلانب الشرعي اخلاضع للنص.
طبيعة البناء األسري قبل اإلسالم:
تتحد معامل األسرة قبا اإلسالم من خالل حتديد وضع كل فرد فيها (املرأة والرجل) ،والدور املنوط بكل منها
يف تلك األسرة والعالقات اليت نشأت يف اجملتمع واليت تلعب دوراً متميزاً يف حتديد احلقوق والواجبات كاحلروب ونظام
القبيلة.
.اعتماد نظام األمومة واألبوة معا:
فقد كشف حديث عائشة الذي رأيناه يف اخلطبة عن حقيقة املعامالت املتعلقة باألسرة السائدة يف اجملتمع وأغراضهم
منها وتبني أن الناس عرفوا ما يشابه النكاح الشرعي وعرفوا غريه مما ال يليق بكرامة املرأة والرجل كنكاح األخدان
والبغايا واالستبضاع والنكاح املؤقت ،فقد كان اازواج عندهم أعراض خمتلفة منها الرغبة يف جنابة الولد أو الرغبة يف
وجود الوارث أو جمرد االستمتاع من املرأة ،ومل يكن لدى بعضهم كثري اكرتاث مبسألة النسب وكانت نسبة املولود ألمة
هي املعروفة واملتيقَّنة عندهم خالفاً لنسبته ألبيه ،حيث مل تكن معاشرة املرأة مقتصره على رجل معني يف األنكحة اليت
ذكرنا فكان أن انتشر بينهم نظام األمومة 1الذي عرفته جمتمعات إنسانية كثرية.
ومعىن هذا أن اجملتمع اجلاه ايل يكون قد عرف هذا النمط العائلي كما عرف النمط الثاين وهو نظام األبوة
1
َّ
النسب على أساسه.
ف فيه أبو الولد ويقوم
عر ُ
ُ
الذي يعد متطوراً وراقياً بالنسبة لألول باعتباره ُمنظماً يُ َ
1هو انتساب املرء إىل أمه أو جدته ألمه حبيث تكون قرابات الناس مبينة على هذا األساس .وأصل نظام األمومة يقوم على عدم معرفة أيب الوليد الناتج
عن عدم التمسك بنظام الزواج الشرعي أو عدم االهتداء إليه باعتباره حديث العهد حيث مل تكن املرأة ترتبط مع الرجل برباط شرعي حمدد إىل أجل غري
مسمى .زهدي يكن ،الزواج ومقارنته بقوانني العامل ،املطبعة العصرية ،صيدا ،لبنان ،ط( ،1بدون تاريخ) ،ص .1 - 5
1
متأخراً عن
نظام األبوة يقوم على نسبة املرء ألبيه وجده من أبيه وتكون القرابة بني الناس قائمة على أساسة وهو الذي ساد اكثر األمم املتمدنه ويعد ِّ
األول وقام على أنقاضة بتنظيم الزواج وضبطه ،وهو الذي اشتهر يف اجملتمعات العربية .نفسه ص .1
.1اتساع سلطة ألب:
ِ ِ
رب
َّع هبا ُّ
على أن ما ميَّ َز النظام األُسري يف اجملتمعات العربية وغ ِريها ْقب َل اإلسالم هو السلطةُ الواسعةُ الىت كان يتمت ُ
ٍ
ِ
سح إىل أوالد األوالد ومن
األسرة مع مجي ِع أفراد أسرته واستحواذُه على سلطات واسعة متعلقة بزوجاته وأبنائه ،وقد تتّ ُ
ُ ِ
دورهم يف تلك األسرة ويف
ت معها
صْ
يف درجتهم يف األسرة الواسعة املفتوحة إىل درجة تقلَّ َ
حقوق بقية األفراد واحنصر ُ
ِ
شيوع هذا النم ِط من املعاملة طبيعةَ الَمنط َق ِة و ِ
احمليطة وما عرفتُه من
البيئة
اجملتمع ،و َلع َّل من األسباب الىت َّأدت إىل ِ
َ
صر ٍ
اعات وحروب قبليَّة أو طائفيه ال تكاد تضع أوز َارها حىت تَ ُّ
طبول األخرى مما يتطلَّب جتنيداً كامالً ألفراد األسرة
دق ُ
ِ
ِ
والقبيلة واستعداداً ِ
ِ
األطفال ،مما
النساء و
جال الذين يدافعون عن
مستمّراً خلوض
املعارك الىت غالباً ما يكون أبطاهلُا الر َ
جيعل حظو َظ هذين الصْنف ِ
ووضع ُهما ضعيفاً يف ظل هذا التدافع ليهيمن األقوياء على السلطة الفعلية يف العائلة
ني
َ
ُ
ويف القبيلة.
نمط األسرة في النظام اإلسالمي:
ِ
ِ
ِ
اإلقتصادية حيث سار األمن
الساسية و
االجتماعية و
كثري من األوضاع
أما يف اجملتمع اإلسالمي فقد َ
تغريت ٌ
واالستقرار والتآخي والتكافل االجتماعي ،وختلص الناس من الصراعات القبلية اليت طبعتها الغارات الثأرية واهلمجية
وحتول الناس إىل محلة عقيدة ورسالة حيملوهنا إىل العاامني ،وهذا يتطلب تكي ًفا اجتماعيًا مع الدين اجلديد ويستجيب
ألهداف الرسالة ودور أفرادها فيها.
اإلسالم أمر الزواج بالشكل الذي حيقق املقاصد الشرعية منه كما نظم األسرة مبا يتناسب ومقاصد
فقد نظَّم
ُ
احلقوق والو ِ
ِ
اجبات بدقَّة وترك يفصيل بعضها اآلخر ليرتك للناس أمر
بعض
اإلسالم يف اجملتمع ودور الفرد فيهَّ ،
وبني َ
تكييفها مع املبادئ والقواعد الشرعيةَّ ،
فهذب حال األسرة اليت وجد الناس عليها وأضاف إليها إضافات متالئمة
والعقيدة الإلسالمية اليت أصبحت أساس عالقات األفراد واجلماعات.
.من األسرة األبوية إلى األسرة الزوجية :
مما أضافه اإلسالم على نظام األسرة إرساؤه للنظام الزوجي أو األسرة الزوجية املكونة من الزوج والزوجة وما
احلقوق
ينجبانه من األوالد الذين يدخلون حتت مسؤوليتهما املبشرة ماديا ومعهنويًا ،فتكون األسرة مصغَّرة تتحدَّد فيها
ُ
ليتحمل فيها كل طرف مسؤوليته ،قال تعاىل:
اجبات
َّ
والو ُ
[الروم .]1وقال صلى اهلل عايه وسلم :
(( كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيتهن الرجل راع يف بيته وهو مسؤول عن رعيته واملرأة راعية يف بيت وزوجها وهي
الزوجية مشرتك ًة بني الرجل واملر ِأة باعتبا ِرمها ر ِ
ِ
مسؤولة عن رعيتها)) .فجعل مسؤوليةَ ِ
كنيه األساسيني ،ومنهما متتد
بيت
َ
بقية العالقات وتنمو ،ولذلك سنعرض لدور ومكانة كل من املرأة والرجل يف هذه األسرة والطابع الذي متيزت به
الشريعة يف تظرته إىل مكانة ودور كل منهما.
.1تعزيز دور المرأة في األسرة الزوجية :
مثمرا ،وما دامت املرأة
لقد عين اإلسالم بتحديد مركز كل طرف ومكانته يف األسرة ليتسىن بناؤها بناء ً
سليما ً
عموما فال بد من بيان املركز الذي تتبوأه فيه وحدود تلك املنزلة اليت تناسب
ئيسا يف هذاالنظام ويف اجملتمع ً
طرفًا ر ً
دورها وطاقتها ،ولعل أمجع ما دور يف بيان حقها ومنزلتها قول اهلل تعاىل :
[البقرة]115:
فمن مميزات الشريعة اإلسالمية عموم خطاهبا وعموم فروعها كل املكلفني دون أن تناط أحكامها جبنس أو
نسب أو فئة بشرية معينة ،ولذلك قرر العلماء دخول مجيع املكلفني يف خطاب الشارع إال ما استثناه الدليل الشرعي،
ومن ذلك دخول النساء يف مجيع تلك اخلطابات مع الرجل مبقتضى تكليفهن واشرتاكهن معهم فيه خالفًا ملا كانت
عليه بعض الشرائع السابقة أو ما درجت عليه بعض اجملتمعات اإلنسانية اليت مل جتعل املرأة يف املستوى التشريعي
الذي أتيح للرجل ،فلم يكن يف الشريعة كبري فرق بني الذكر واألنثى ،بل أمرت النساء مبثل ما أمر به الرجل يف أكثر
التكاليف وجل اخلطابات ،كما مل تُعزل املرأة عن جانب اإلصالح باعتبارها هي اليت تتوىل تربية النشء الذي به بقاء
النوع اإلنساين وغرس األخالق فيه ،فإذا مل تول العناية الالزمة وأغرقت يف ظلمات اجلهل لسلبت منها أهلية تربية
أوالدها وسياسة بيتها سياسة راشدة وحلرمت األمة من االنتفاع من نصف البشر.8
سبق خترجيه 16
8ابن عاشور ،أصول النظام االجتماعي يف اإلسالم ص .59
.1تقرير أهلية المرأة :
ِ
ِ
ِ
ِ
لقد َّقرر القرآن الكرمي للمرأة األهلي َة و َّ ِ
فجع َل
احلق الكام َل يف مجي ِع التصرفات املدنية واإلقتصادية والشخصيةَ ،
َ
ِ
هلا ح َّق حيازةِ ِ
التصرف فيه بالبيع والتعاقد والتصاحل واهلبة واهلدية والوصية والوقف وغريها ،ويف أموِرها
املال ومتلُّ ِكه و
َ
ِ
ِ
األخذ منه بدون ِ
طيب ن ْف ِ
س منها،
الشخصية رأينا اشرتا َط مواف َقتِها ورضاها يف الزو ِاج وح َقها يف الصداق وحترمي
زوجها عند طرو ِ
وحقَّها يف االفتداء من ِ
كرهها له ومْن َع وليها من احليلولة دون عودهتا إىل زوجها إذا رغبت يف ذلك.6
بل وأتاح اهل أن تتدخل يف األمور العامة املتعلقة باألمة مما هو من اهتمام الرجل غلبًا كمنح اجلوار واألمان
ملن تريد إجارته أو تأمينه ممن الناس ،وبالتايل احلكم بصحتِه ِ
ونفوذه وعندئِ ِذ جيب على املسلميناحرت ُامه باعتباره تصرفًا
ُ
وصرح باعتباره
صادرا من عضو كامل احلقوق من أغضاء األمة ،حيث اعتربه النيب صلى اهلل عليه وسلم وأخذ به َّ
ً
واحرتامه حيث قال صلى اهلل عليه وسلم المرأة من املسلمني أخربته بأهنا أجارت فالنًا وأن أخاها يريد قتلَهُ ر ْغم
أج ْر ِت يا أم هانئ)) ،9ويف ذلك اعرتاف صريح منه حبق املرأة وأهليتها الكاملة يف التدخل يف
أج ْرنا َم ْن َ
ذلك(( :قد َ
الشؤون العامة لألمة واإلدالء برأيها فيها ،وهي نقلة نقل هبا اإلسالم املرأة من مرحلة االستضعاف واهليمنة حىت يف
احلقوق الشخصية إىل التكرمي واملشاركة يف الرأي والقرار ولو كان مرتبطًا باملصاحل العليا لألمة.
6حممد عزت دروزة ،املرأة يف القرأن والسنة ،املكتبية العصرية ،بريوت ،ط 00 ،1ه 550 ،م ،ص. 0
9احلديث أخرجه البخاري يف كتاب اجلزية باب أمان النساء وجوارهن ( ،1 8/6 ،)1 9ومسلم يف كتاب صالة املسافر وقصرها ،باب استحباب صالة
الضحى \ ، 56وأبو داود يف اجلهاد باب أمان املرأة بلفظ( :قد أجرنا من أجرت و َّأمنا من َّأمنت) . 51\1