با�ص رقم ()9
م�شاهدات طالب �سعودي يف بريطانيا
ح ياسني حمد الصاحلي1431 ،هـ
فهرسة مكتبة امللك فهد الوطنية أثناء النشر
الصاحلي ،ياسني حمد
باص رقم / .9ياسني حمد الصاحلي -الرياض 1431 ،هـ
...ص ؛ ..سم
ردمك978-603-00-4306-4 :
- 1بريطانيا -وصف ورحالت
ديوي 914 ، 304
أ .العنوان
1431/1134
رقم اإليداع1431/1134 :
ردمك978-603-00-4306-4:
با�ص رقم ()9
م�شاهدات طالب �سعودي يف بريطانيا
الطبعة األولى
1431هـ 2010 -م
يا�سني بن حمد ال�صاحلي
busno.9@hotmail.com
مقدمة
وبالرغم من �أنها مقدمة � ،إال �أنها – كما تبدو -ختام م�شاهداتي
خالل مرحلة درا�ستي يف بريطانيا ،ولي�س �س ّر ًا �إن قلت �إن هذا الكتاب ما
كان ليولد لوال �إرها�صات الإلكرتون ،وقد تكون رجعية مني �أتراجع فيها
عن �صفحات �إلكرتونية �إىل �صفحات ورقية تفتح �شهية الرقيب ،يا لها
من مفارقة !.
منذ �أول يوم و�صلت فيه �إىل بريطانيا كنت �أمر بتجارب وم�شاهدات
�أحكيها عرب الهاتف لأفراد عائلتي ولأ�صدقائي ،وحينها ولدت فكرة �إن�شاء
مدونة �إلكرتونية �أكتب فيها "بحرية" بعيد ًا عن املجموعات الطالبية التي
يغلب عليها الت�شنج ،غري �أنني تكا�سلت فيما بعد عن تدوين جتاربي ،
حتى جاء اليوم الذي التحقت فيه مبعهدنا للغة الإجنليزية فتاة برازيلية
متخ�ص�صة يف القانون الدويل وكانت تطمح يف �أول زيارة لها لربيطانيا
�إىل تطوير لغتها الإجنليزية لرغبتها ال�شديدة يف احل�صول على وظيفة
حماماة ،كانت تلك الفتاة تكتب حلقة يومية يف مدونتها الإلكرتونية عن
م�شاهداتها وجتاربها وعالقاتها ومواقفها يف داخل املعهد وخارجه ،
وخ�صو�ص ًا مواقفها مع الطالب ال�سعوديني وكانت تبدي �إعجاب ًا كبري ًا
5
�أحيان ًا وده�شة �أحيان ًا �أخرى مما ت�سمعه عن ثقافتنا العربية وال�سعودية
حتديد ًا ،كانت ت�س�ألنا ونحن جنيب على �أ�سئلتها ب�صراخ �أحيان ًا �أو
ب�سخرية من �أ�سئلتها �أحيان ًا �أخ��رى ،لكنها كانت ال تنام حتى تكتب
ب�أ�سلوب م�شوق عن كل ما ت�سمعه منا يف مدونتها التي �سببت لها بعد ذلك
�صداع ًا من نوع �آخر فا�ضطرت �إىل �إقفالها .
قفزت �إىل ذهني من جديد فكرة التدوين ف�أن�ش�أت املدونة و�أ�سميتها
"مدونة يا�سني" ،ذلك لأنني �س�أكتب عن جتاربي و�آرائي وانطباعاتي
اخلا�صة ،وكتبت يف �أعلى املدونة :
" يف هذه املدونة �أكتب �أفكاري التي �أعتقد �أنها قيمة ،تركت لكم
م�ساحة للرد والتعليق مبا تعتقدون �أنه فكر قيم ،لذا �أعزائي القراء
�ستجدون هنا �أفكار ًا توافقكم و�أخرى قد تدعوكم للغ�ضب ،فال تفرحوا
�أ�شد الفرح وال جتزعوا �أ�شد اجلزع ..لكن فقط دعوا �أفكارنا تتالقح
لتنتج فكرة تو�صلنا لل�سماء !" .
وك��ان لزام ًا علي �أن �أكتب تلك العبارة كاتفاقية لقراءة املدونة
لإمياين التام �أن ذات ال�شخ�ص الذي �سي�صفق فرح ًا بفكرة ما �سي�أتي
يف اليوم التايل لي�سطر غ�ضبه من خلف ال�شا�شة وعلى �صفحة املدونة
الإلكرتونية .
غري �أنني بعد م��رور ع��ام كامل على �إن�شاء امل��دون��ة ،ب��د�أت �أفكر
جد ّي ًا يف كتابة �أفكاري يف كتاب مطبوع ،و�شجعني على ذلك قلة الكتب
املعرو�ضة التي تتحدث عن هذا اجلانب ،وكان علي �أن �أدفع ثمن هذه
6
الرجعية الفكرية ،قمت من حيث ال �أدري بتن�صيب نف�سي رقيب ًا على ما
�أكتب يف هذا الكتاب ،بعك�س ما كنت �أكتبه بحرية كاملة يف مدونتي .
حاولت يف هذا الكتاب قدر امل�ستطاع �أن �أكتب ر�أيي وفكرتي حول كل
جتربة �أو م�شاهدة ،لئال يتحول الكتاب �إىل تفا�صيل مملة ملواقف عادية،
و�أذه��ب �أحيان ًا بني ال�سطور �إىل ذكر بع�ض املقارنات لتتجلى ال�صورة
ب�شكل �أو�ضح .
وما بني ال�صفحة الأوىل والأخ�يرة من هذا الكتاب جتارب �سنتني
و�أفكار عقدين من الزمن جمعتها يف �أقل من � 100صفحة قد ي�ستع�صي
بع�ضها على حبة البنادول ب�سبب ت�أثري الثقافة ال�سائدة ،فيما قد يفتح
بع�ضها �آفاق ًا من التفكري واملراجعة والنقد ،وهذا ما ابتغيته منذ �أول
حرف �إلكرتوين كتبته قبل �أن يتحول بقدرة حرب �إىل حرف مكتوب.
يا�سني حمد ال�صاحلي
11نوفمرب 2009م
لندن � ،إجنلرتا
7
لأول مرة � .إىل لندن!
ما �أكرث �أحالمي ،وما �أقلها حتقيق ًا ،لكنني اليوم واثق من �أن حلمي
بلقاء لندن �سيتحقق ،ففي يوم رم�ضاين �أق�ضي حلظاته الأخ�يرة يف
مدينة جدة متجه ًا نحو مطارها يقرتب لقاء لندن �أكرث ف�أكرث ،ال تظنوا
�أنني التقيتها �سابق ًا حتى �أ�شتاق للقائها الآن ،ال ..لكنني كنت �أقر�أ عنها
الكثري والكثري ،وكنت �أقر�أ وجهها ومعاملها التي دائم ًا ما ير�سمها �سفرينا
الق�صيبي الذي كانت له ق�صة �أخرى معها ،مل يبق على لقاء لندن �إال
قبلة يف جبني �أبي �أقطع بها عالقتي بوطني ل�شهور عدة ،مل يفارقني
اجلو الرم�ضاين الذي يتلب�س الأر�ض واجلواء مع ًا ،مل يفارقني �إال حينما
�أطلت طائرتنا الوطنية بر�أ�سها على �أجواء لندن ،يا للروعة! �أهذه لندن؟!
تطاولت قلي ًال لأرى نهر التاميز يحت�ضن القوارب بقرب �ساعة "البيق
بني" ال�شهرية التي كان ي�سمع رنتها ال�شهرية جدي الأ�سبق ،ال �أظن �أن
�أحد ًا مل ي�سمع رنة �صوت جر�سها الذي دائم ًا ما يرتبط بخرب قادم قد
يكون مذه ًال حد اخلوف من احلرب �أو خمرب ًا بقرار �أممي دويل !.
هبطنا مطار"هيرثو" ال��دويل وال��ذي رغ��م ب�ساطته يحوي جميع
اخلدمات ال�ضرورية فيه ،ورغم زحامه ال�شديد مل �أمكث فيه �أكرث من
9
ن�صف �ساعة �شملت �إنهاء جميع �إجراءاتي املتعلقة بدخويل �إىل بريطانيا،
خرجت من املطار يف �سباق مع غروب ال�شم�س التي مل ت�سعفني ب�ضوئها
يف ر�ؤي��ة معامل لندن ،و�صلت للفندق املحدد ب�سهولة كبرية عرب با�ص
واحد ،كنت مرهق ًا ج ّد ًا ،لذا كان النوم هو اخليار الأول يف ليلة لندنية
مل �أ�ستمتع فيها بن�شوة اللقاء الأول .
ن�سيت �أن�ن��ي جئت لبعثة درا�سية لدرا�سة مرحلة املاج�ستري يف
تخ�ص�ص احلا�سب الآيل ،وبالكاد تذكرت ترتيب �أوراقي التي اختزنتها
حقيبتي الكبرية مع رائحة �أمي من قريتي املن�سية � ،صحوت يف ال�صباح
الباكر الذي كان �أول �صباح �أ�ستيقظه يف لندن ،تعجبت من قدم املباين
وجمال الت�صميم وقوة التنظيم خا�صة عندما �أخربتنا موظفة الفندق �أن
البا�ص قد ي�أتي بعد �أقل من ثالث دقائق ،ثالث دقائق ؟! مل �أتعود على
هذا الرقم ف�أنا �أح�سب دائم ًا مب�ضاعفات الدقائق اخلم�س �إن مل يكن
الع�شر و�أحيان ًا متام ال�ساعة .
و�صلت للملحقية الثقافية ال�سعودية يف لندن التي حولت كل جهودها
للنواحي الأكادميية والدرا�سية فيما بقي م�سمى "الثقافية" كلمة يتيمة
يف عا�صمة الثقافة ،دخلت فيما بعد �أكرث من متحف ومعر�ض مل �أجد
لهذه امللحقية من �إجناز ثقايف ي�ستحق حملها لهذه الكلمة اليتيمة ،لكنني
بعد �أن �أنهيت كامل �إجراءاتي ب�سرعة ن�سيت الثقافة و�شجونها وجتاهلت
التنظري من �أجل �إن�صافها .
بعد خروجي من املعامالت الر�سمية التي �أكرهها دائم ًا قفز �إىل
10
ذهني �أول مكان �أزوره يف لندن " ،الهايد بارك" تلك احلديقة اجلميلة
الهادئة احلاملة التي احت�ضنت حرية الكلمة يف �أحد �أركانها حني خ�ص�صت
خا�ص ًا للمتحدثني بحرية كاملة � ،أخذت جولة فيها� ،شاهدت فيها
ركن ًا ّ
�أنا�س ًا يتجولون فيها بكامل حريتهم دون انتهاك خل�صو�صيتهم بن�شرة
دعوية �أو مت�سول يطلب ماالً ،كان البع�ض ي�ضحك بارتياح دون �أن يكون
هنالك حتذير فيما �آخرون يقر�ؤون على �ضفاف البحرية التي كانت تتميز
بنظافة كبرية ،مل �أكن �أ�صدق و�أنا الذي كنت �أجتول بخوف على �شواطئ
ال�ساحلني ال�شرقي والغربي اللذين مل ي�سلما من ت�شويه متعمد من �سائح
عربي �أو مواطن حملي .
كانت الهايد بارك ت�ضج بال�سياح وكانت حماطة بالبا�صات احلمراء
ال�شهرية و�سيارات الأج��رة ال�سوداء حتيط بها من كل مكان ،حينها
اكتملت ال�صورة النموذجية للندن � ،شاهدت غ��روب ال�شم�س يف هذه
احلديقة التي مل �أ�س�أم منها �إطالق ًا ،و�أكملت فرتة ما بعد الغروب يف
�شارع "�إدجوار روود" �أو �شارع العرب كما يحب �أن يطلق عليه بنو يعرب ،
عدت بعدها حليث كنت قبل يوم ،كانت الفو�ضى تعم ال�شارع حتى كنت
�إخال البلدية تعطي هذا ال�شارع �ضعف ما تعطيه لغريه ،لكنها لندن حني
متنح لكل ثقافة م�ساحتها ،لكن هذا ال�شارع مل يخل من ح�سناته التي
جتلت يف خلق �صورة رم�ضانية افتقدتها من �أول يوم فارقت فيه رم�ضان ،
كانت معامل رم�ضان حا�ضرة على جنبات هذا ال�شارع لو مل يعكرها بع�ض
املارة العرب ب�سلوكياتهم التي تف�سد الأجواء مبا حوت .
11
ق�صتي مع �صديقي توم !
ولأنه يرف�ض دائم ًا �أن �أعتربه مدر�س ًا يل ،كان دائم ًا ما يرتجاين �أن
�أعتربه �صديق ًا ال غري " ،توم" هو �أحد الذين تعلمت على �أيديهم يف معهد
اللغة الإجنليزية يف مدينة "نوريج" ،ورغم �أنه كان يعرتف ب�إحلاده �إال �أنه
كان يعاملني بطيبة ال حدود لها رغم احتدام النقا�ش بيننا حتى يف داخل
الف�صل الدرا�سي ،تعلمت من "توم" ال�شيء الكثري خارج حميط مادته
الدرا�سية ،وقد يكون الإجنليزي الوحيد الذي و�ضعني يف �ساحة احلوار
باجتاهاتها املختلفة واملجهولة ،كانت حما�ضرته �شيقة لأبعد احلدود ،
كان يفر�ض علينا تقبل ر�أي معني خالل مناق�شاتنا يف الف�صل الدرا�سي
ثم بعد ذلك يطلب منا معار�ضته و�إعادة النقا�ش ليتعود الواحد منا على
قراءة فكر ال�شخ�ص الآخر ،كان هذا ديدنه يف �أكرث حما�ضراته حتى بت
ال �أت�سرع باحلكم على �أي موقف �أو �شخ�صية بر�أيها لأنني �أ�صبحت �أ�ضع
نف�سي يف ذات املوقف و�أخترب ردة فعلي .
يف حما�ضرة درا�سية ،كان مو�ضوع الدر�س عن االعتقادات الدينية،
وتعمقنا ب�شكل �أكرب يف احلوارات التي تدور حول وجود اخلالق عز وجل،
قرر مدر�سي توم �أن يق�سم املجموعة �إىل ق�سمني ،ق�سم يفرت�ض �أن يعتقد
13
بوجود اخلالق والآخر عك�س ذلك متام ًا ،وجاء ترتيبي �ضمن من يعتقدون
بعدم وجود اخلالق ،وعلى الفور عار�ضت ذلك وطلبت تبديل مو�ضعي
لتلك املجموعة التي تعتقد بوجود اخلالق � ،أخربين �أن ذلك جمرد حوار
لفهم طريقة تفكري الآخر � ،إال �أنني رف�ضت متام ًا ،عندها تربع �أحدهم
مبكانه يل � ،أكملنا حوارنا عن وجود اخلالق وكان ي�ستمع لنا باهتمام،
وبعد نهاية احل��وار طلب من كل واح��د منا �أن يف�صح عن ر�أي��ه الفعلي
بخ�صو�ص ذلك ،يف نهاية املحا�ضرة اعتذر مني توم �إن كان قد �أخط�أ يف
جرح معتقدي فبادرت ب�س�ؤاله عن ر�أيه يف م�س�ألة وجود اخلالق ف�أخربين
�أنه ال يعتقد ذلك رغم �أنه يعتقد �أن البعث قد يتم بطريقة �أو ب�أخرى .
لأول مرة يف حياتي �أ�شهد حوار ًا ي�شارك فيه ر�أي �آخر ولأول مرة �أرى
مدر�س ًا يناق�ش طالبه يف �آرائهم ،تعودت دائم ًا �أن ال �أناق�ش �أو �أحتج حتى
على موعد اختبار �أو درجة يف اختبار معني ،تعودت �أال �أناق�ش �شيخ قبيلتنا يف
رف�ضه ختم ورقة �أو ت�أجيلها لأجل غري م�سمى ،تعودت دائم ًا �أال �أ�س�أل معلمي
يف مرحلتي اجلامعية عن حكمه على فكرتي اخلا�صة بي يف بحث �أكادميي ،
غري �أن "توم" ن�سف ذلك كله يف حما�ضرة واحدة ال تتعدى ال�ساعتني .
�أخربين توم �أنه ي�شعر ب�سعادة كبرية كونه ميار�س مهنة التعليم �أو
التدري�س يف ذات الوقت الذي يذهب �إىل اجلامعة طالب ًا يف تخ�ص�ص
طرق التعليم � ،أخربين �أنه يعتمد على ذاته يف �إجناز كل �شيء يخت�ص
بنف�سه ،وهذا ما الحظته �أنا �شخ�ص ّي ًا منذ �أن جئت لربيطانيا .
وقد قر�أت يف لقاء �صحفي �أن الدكتور غازي الق�صيبي يعتمد على
14
ذاته يف �إجناز �أعماله اخلا�صة ،ويف مقال للدكتور �سلمان العودة �أو�ضح
�أنه يف رحلة ا�سرتخاء مار�س �أعما ًال بنف�سه مثل �إعداد ال�شاي واحلليب
وتنظيف الطاولة �أ�شعرته ب�سعادة داخلية ،هذا ما الحظته جل ّي ًا هنا ،
ر�أيت كيف يعتمد الرجل امل�سن على نف�سه يف �شراء �أ�شيائه اخلا�صة من
مراكز الت�سوق ،وكيف تقوم ربة البيت ب�إعداد كل �شيء يف املنزل بدء ًا من
�إعداد كوب من ال�شاي وحتى دهن املنزل وتغيري فرا�شه ،كنت �أ�ستغرب
ذلك لأنني كنت متعود ًا على �أن �أكون خمدوم ًا حتى يف �شربي لك�أ�س من
املاء ،رغم �أن والدي على كرب �سنه ما زال يعتمد على نف�سه يف �أغلب
�أعماله اخلا�صة .
ما مييز غالبية ال�شعب الربيطاين هو الن�شاط واالعتماد على النف�س
والإتقان يف �أداء العمل ،يف البقالة ال�صغرية التي تتو�سط جامعتي ت�شغل
الفرتة ال�صباحية فيها ام��ر�أة م�سنة تعمل بكامل ن�شاطها وحيوتها
و�أمانتها يف خدمة العمالء الذين يزدحمون على هذه البقالة ورغم ذلك
ال تكاد االبت�سامة تختفي من حمياها رغم الإجهاد ،كم كنت �أغبطها
على ن�شاطها رغم كرب �سنها ،مل تعتمد هذه العجوز على �أحد يف ممار�سة
حياتها بل اعتمدت على ذاتها يف ت�سيري �أمور حياتها ،كنت �أحلظ �إحدى
امل�سنات والتي كانت تعمل يف �أحد املقاهي وكيف كانت تتلهف وتبادر
خلدمة �أي عميل ينتظر خدمة ما� ،أدركت جزء ًا مه ّم ًا من مفهوم ال�سعادة
التي يبحث عنها الكثري والتي تتمثل يف الر�ضا عن الذات بغ�ض النظر عن
�أية عوامل �أخرى .
15
مع العائلة الإجنليزية .
�س�أ�صيبكم بامللل قرائي وقارئاتي الكرام من الرتديد عليكم ب�أنني
�أمر بتجارب مثرية يف حياتي التي مل �أ�سافر فيها قط �إال ناحية ال�شرق،
�إىل ماليزيا و�إندوني�سيا والتي مل �أتعلم منها الكثري �سوى قليل من
الفو�ضى با�ستثناء ماليزيا التي تنبئ بقدوم مذهل ،جتربتي هنا خمتلفة
ج ّد ًا ،حيث جاء املوعد لل�سكن مع عائلة خمتلفة متام ًا عن عائلتي ،قبل
يومني كنت �أ�شرب قهوة �أمي و�آكل من خبزها كما يقول حممد دروي�ش
واليوم �أنا على موعد لأ�سكن مع عائلة غريبة � ،س�آكل �أك ًال خمتلف ًا �ألوانه
وطعمه ورمبا رائحته ،تلك كانت �أفكاري قبل �أن يقطعها �سائق التك�سي
حني �أخربين بو�صويل ملنزل العائلة ،ا�ستقبلتني عجوز علي باب منزلها
بابت�سامة جماملة تقليدية ا�ست�شففت منها �ضرورة تقدميها لكل زائر لها ،
�أنزلت حقيبتي فيما ودعني ال�سائق و�أنا غري م�صدق نف�سي ب�أنني �س�أبيت
هذه الليلة وما بعدها من ليالٍ مع هذه العائلة ،كانت العجوز متمر�سة
مع مثل حاالتي ،ا�ستقبلتني يف �صالة اال�ستقبال وفاج�أتني مبعرفتها عن
ثقافة ال�شرق الأو�سط كونها ا�ستقبلت قبلي الكثري من الطالب القادمني
من ال�شرق الأو�سط .
اكت�سبت الكثري من التجارب خالل حياتي مع العائلة الإجنليزية،
17
لي�س �أول�ه��ا االعتماد على ال��ذات وال �آخ��ره��ا االل�ت��زام باملوعد ،كانت
العجوز الإجنليزية يف �أوج طيبتها معي ،لكنها كانت ال تغفر �أي خط�أ
مني ،وكانت �أخطائي بالن�سبة لها الت�أخر عن موعد الع�شاء �أو �إزعاجها
مبكاملات "تايل الليل" ،ومل يكن العقاب �سوى ع�شاء بارد �أو تذمر من
مكاملاتي التلفونية .
كثري ًا ما ت�س�ألني "كارول" ،وهو ا�سم العجوز الإجنليزية ،كثري ًا
ما ت�س�ألني عن ثقافتنا ،عن مرا�سم الزواج وعن الأعياد ،عن حياتنا
االجتماعية ،كانت كثري من �إجاباتي تثري ده�شتها ،مل �أ�شعر باحلرج من
الإجابة على ت�سا�ؤالتها �إال حني عر�ضت قناة البي بي �سي ت�سجي ًال لأحد
اخلاطفني جلندي بريطاين كان يعمل يف العراق وبدا حينها بزي �شرق
�أو�سطي � ،س�ألتني عن �سلوك ه�ؤالء� ،أخربتها ب�أنها حالة �شاذة تقابلها
احلالة ال�شاذة لهذا اجلندي الربيطاين الذي قدم لغزوهم .
متحو ه��ذه العجوز يوم ًا بعد ي��وم و�صايا التحذير والتهويل من
خمالطتهم ،بل �أ�صبحت �أخاف عليها من خمالطة من �سي�ؤثر عليها �سلب ًا
ب�سلوكيات الفو�ضى ،ال �أن�سى �إذ �أن�سى حني �أيقظتني يف يوم �إجازة خا�صة
وافقت يوم جمعة � ،أيقظتني ملوعدي الذي �أخربتها �أنني �أق�ضيه كل يوم
جمعة يف م�سجد بو�سط املدينة .
كان البيت الذي �أ�سكن فيه �أ�شبه بناد ثقايف كبري ،ففي كل �أ�سبوع
�أو �أ�سبوعني ي�أتي طالب من دولة �أوروبية �أو �آ�سوية ليق�ضي ما بني ب�ضعة
�أ�سابيع �إىل �شهور ،كنت �أ�سعد بتكوين عالقات معهم ،ومن هذه العالقات
18
عالقتي ب�صديقي "فابيان" الأملاين اجلن�سية الذي جاء �إيل ب�أغنية بلهجة
مغربية كان يقول �إنها �أعجبته ،ا�ستمعت �إليها و�شعرت باحلرج الكبري
كوين مل �أفهم كلماتها ،حينها �صدمني بال�س�ؤال � :ألي�ست لغة عربية ؟!،
تذكرت على الفور جدال �أحد �أ�صدقائي ملدر�سته الإجنليزية عن �سبب
تنوعهم اللغوي !.
�أهداين "فابيان" مقطوعات مو�سيقية ملو�سيقارين عامليني وطلب
مني باملقابل مقطوعات مو�سيقية عربية � ،أح�س�ست �أنه يريد �إحراجي� ،إال
�أنني الحظت جديته يف ذلك ،مل �أجد يف حقيبتي ما �أهديه له � ،أخربته
ب�أن تراثنا املو�سيقي مكتوب فقط يف "كتاب املو�سيقا الكبري".
19
تغريت ً
بعد �سنة كاملة .هل ُ
فعال ؟!
التغيري ..كلمة ومفهوم راف�ق��ت �أك�ثر مارافقت خ�لال العامني
ال�سابقني الدكتور �سلمان العودة ،فما �أن يديل بر�أيه "املختلف" يف
م�س�ألة ما حتى يعلق املعلقون بتغريه ،ورغم �أنه قال يف �إحدى احللقات يف
برناجمه ال�شهري "حجر الزاوية" �إنه تغري بالفعل و�إن تغريه كان �إيجاب ّياً،
�إال �أن هنالك �أ�شخا�ص ًا ماهرين يف �صياغة الت�شدد ب�أ�سئلته و�أجوبته التي
حتيل احلقيقة �إىل معادلة ريا�ضية ال تقبل �إال رقم ًا واحد ًا هو الت�شدد �أو
"التحوط" ،يف هذا ال�شهر – �أكتوبر � -2008أكملت �سنة كاملة ق�ضيتها
يف مرحلة تعلم اللغة الإجنليزية وحينما رجعت �إىل بلدتي �ساءلت نف�سي:
هل تغريت بعد �سنة كاملة ق�ضيتها بني "الكفار" ؟.
خ�لال ع��ام عرفت معنى امل�ساواة ،ت�أملت كيف يحظى اجلميع
بذات املعاملة فيما ذاكرتي تذكرين بابن مدر�سنا يف املرحلة االبتدائية
الذي كان يخرتق – ب�إيعاز من �أبيه -الطابور �أمام املق�صف املدر�سي يف
قريتي ليتناول ن�صيبه من �ساندوت�ش وع�صري ،تذكرت ابن ذلك الدكتور
املحا�ضر يف جامعتنا الذي كان يحظى مبعاملة فريدة من �أ�ساتذة تعلموا
يف جامعات الغرب ،كنت �أعتقد �أن كل ذلك كان �أمر ًا م�شروع ًا كما كان
21
يخيل لنا ،تذكرت ذلك الرجل امل�سكني الذي فرقوا بينه وبني زوجته
لأ�سباب عن�صرية تكر�س التمييز ،تذكرتهم وتذكرت من يبحث لهم
يف الرتاث عن ما يثبت لهم �شرعية ذلك ،لكن ذاكرتي حفظت �صورة
�إيجابية ملدر�سنا الإجنليزي الذي كان يقف يف ذات الطابور الذي وقفت
فيه من �أجل كوب من القهوة الأمريكية املرة ومل يتجاوز �أحد ًا من طالبه،
ر�أيت هنا الطوابري ال تُخرتق من �أي �أحد كان وال يقطع �أحد كالمي مع
مديرة معهدنا حتى لو كان املالك القانوين لذات املعهد ،كان ذلك �أول
تغيري يف مفهومي للم�ساواة .
ال �أن�سى �إن ن�سيت حينما كان مدر�سنا يهددنا من مناداة �أحد من
زمالئه املدر�سني بغري لقبه "�أ�ستاذ" وتقبلت ذلك رغم التزامي �سابق ًا
بهذا الأمر بغري احلاجة للوعد والوعيد ،لكن معلمي الإجنليزي والذي
ط��وع ل�ساين للغة العلم رف�ض �أن نناديه ب��أي لقب ومل يقل ذل��ك بغية
التوا�ضع امل�صطنع ،بل كان جا ّد ًا يف ذلك ب�أنه ال يهتم �أ�ص ًال ب�أي لقب
فاجلميع يعرفه با�سمه الذي �سمي به ،تغري حينها مفهومي للتوا�ضع
ال�صادق وقيمته احلقيقية والثقة بالنف�س .
�أو�صاين مدر�سي للفقه والتف�سري �أن حياة الغرب حياة حيوانية ال
ي�ضبطها �ضابط ،فهم ينامون وقتما �شا�ؤوا وي�ستلذون �أينما وحينما �شا�ؤوا،
�أو�شكت على االقتناع مبا قال لوال �أنه قال " :ولنا الف�ضل يف ح�ضارتهم"،
لكنني تفاج�أت بالعك�س متام ًا وحتديد ًا حينما �سكنت مع عجوز �إجنليزية
مل تن�س ذات يوم �أن توقظني يف �ضحوة يوم جمعة لتذكرين بال�صالة
22
رغم �أنه وافق يوم �إجازة عامة لها ،كنت �أحلظها يف نظامها يف اخلروج
والدخول يف املنام واال�ستيقاظ ،كنت �أطلب منها �أن ت�ؤجل وجبة الع�شاء
حتى بعد الغروب يف فرتة ال�صيف �إال �أنها كانت تعتذر ب�أن ذلك كان
موعد ًا مل يتغري منذ �سنوات وال يتغري بحلول ال�صيف �أو ال�شتاء ،ر�أيت
كيف �أن معلمنا الذي كان يت�سلم مهام الن�شاط االجتماعي ال يت�أخر دقيقة
عن موعد التجمع فيما مينحنا دقائق قليلة ج ّد ًا لنغادر مكان التجمع ،
كانت مدر�ستي ال تغادر املعهد قبل انتهاء ال��دوام حتى لو �أنهت جميع
حما�ضراتها ،فيما متثل �صالة الظهر يف دوائرنا احلكومية وقت ًا نهائ ّي ًا
لليوم الوظيفي لبع�ض املوظفني ،الحظت �أن لدى ه�ؤالء القوم وقت ًا للعمل
واالن�ضباط ال يخلفونه �أبد ًا فيما ي�ستمتعون ب�إجازة نهاية اال�سبوع كوقت
خم�ص�ص للمتعة والنزهة والرتفيه ،مل �أحلظ ما حدثني به معلم املواد
الدينية ،بل تبني العك�س ..فقد واجهنا املتاعب حتى تعودنا على حياة
النظام واالن�ضباط و�إن كنا نحنّ �إىل ما�ضينا ومنار�سه يف معامالتنا مع
امللحقية الثقافية بلندن .هذه التجربة مثلت تغري ًا مه ّم ًا يف قناعاتي لكني
مل �أغري بعد قناعات مدر�سي القدير يف املرحلة الثانوية .
�أما العمل وقيمه فقد �صدمتني برقيها ،مل �أر من ي�صنف الأعمال
والوظائف �إىل "دونية" و�شريفة ،كنت �أ�صحو يف ال�صباح الباكر لأرى
عامل النظافة من �سكان ذات البلد مبالحمه الإجنليزية يف ذات اليوم
الذي �أتعامل فيه مع موظف بريطاين يف بنك بريطاين كبري � ،أ�صدقكم
القول �أنني ر�أي��ت هنا تطبيق ًا عمل ّي ًا ملبادئ نظرية در�ستها يف مناهج
23
االبتدائية ،فيما يعاين وزير العمل ال�سعودي من هجوم مركز تنق�صه
القيم يف احلد من ن�شر الثقافة املهنية ،هاجموه لأنه قال يف م�ؤمتر وطني
�إن النجارة واحلدادة والرعي لي�ست وظائف "دونية" يف نظر الإ�سالم،
وهاجموه بانتظام حينما لب�س قبعة الطاهي ليو�صل ر�سالة ب�أن العمل و�إن
كان قليل الدخل لكنه عظيم املبد�أ .
غري �أن التغيري مل يطَ ل قيمي ومبادئي التي تعلمتها من �أبي و�أمي
وجدتي والتي فاقت ب�أ�ضعاف ما تعلمته يف مدر�ستي ،مل تغري حياة الغرب
قناعتي يف �أن العمل وم�شاغل احلياة ال ميكن �أن تكون عائق ًا عن �صلة
الرحم وعن تقوية العالقات االجتماعية دون نفاق اجتماعي �أو جمامالت
�سخيفة تذهب املعروف ،مل ي�ستطع الغرب �أن يغري قناعتي يف تهذيب
الروح بالإميان والعبادة التي ال يتدخل فيها �أحد وال يكون فيها بيني وبني
ربي و�سيط من الب�شر يح�سب يل احل�سنات ويكتب يل ال�سيئات ،مل يثنني
الغرب عن �أن �أفكر و�أفكر دون قيود من تقاليد �أو تراث �أو احتكار من �أحد
للحقيقة حتى �أمتلك حق البقاء يف هذا الكون .
24
ق راءة يف وجه لندن
وم��ع االع�ت��ذار ل�سفرينا ال�سابق يف لندن غ��ازي الق�صيبي فهذا
العنوان هو بال�ضبط عنوان لديوان �شعري له ،يف كل مرة �أزور فيها لندن
�أتعرف على وجه لها � ،أحيان ًا يحمل الك�آبة والب�ؤ�س والفقر ،و�أحيان ًا يحمل
التحدي ،و�أخرى يحمل مالمح ال�سعادة واالبت�سامة ويف كثري من الأحيان
يحمل احلرية .
يغلب على مالمح لندن العراقة قبل املعا�صرة ،ما ت��زال القالع
والق�صور واملمرات العتيقة كما هي دون تغيري ،لذا لي�س من العجب �أن
�أقر�أ �أرقام القرن اخلام�س ع�شر على �أحد مبانيها ،ومل �أ�ستغرب كثري ًا
حني عرفت �أن بنك �إجنلرتا املركزي ت�أ�س�س عام 1696م وكان وقتها
يحدد ن�سبة لأ�سعار الفائدة !.
ويحمل وجه لندن مالمح الثقافة واملعرفة الإن�سانية وهو الوجه الذي
كثري ًا ما يجذبني �إليها ويجعلني �أقبلها مرار ًا وتكرار ًا دون ملل ،دائم ًا ما
�أحزم حقيبتي ال�صغرية والتي ال حتمل �سوى تذكرة قطار وخريطة لها ،
�أحب هذا الوجه كثري ًا بعرو�ضها الثقافية وامل�سرحية حتى لتجد العرو�ض
البهلوانية والغريبة و�أخرى ثقافية على �ضفة نهر التاميز وحتى بالقرب
25
من مبنى الربملان العتيق � ،أما متاحفها فهي مفتوحة للجميع دون ر�سوم ،
وكل متحف ي�ستحق زيارة يوم كامل ،يف متاحف لندن توجد �أقدم النقو�ش
وتفا�صيل التاريخ وق�صة احل�ضارة ،يف زيارتي ملتحف العلوم �أده�شتني
املعرفة الإن�سانية بقدمها ،مل �أكن �أتخيل �شكل احلا�سوب كما �شاهدته
والذي كان عبارة عن ماكينة ت�شبه مكائن خرط احلديد ،يف املتحف
الربيطاين �شاهدت احل�ضارات الإن�سانية حتت �سقف واحد وك�أنها ما
تزال تتناف�س ،ما �أثار ا�ستغرابي هو الق�سم املخ�ص�ص للح�ضارة العربية
الإ�سالمية والتي ن�سبت للح�ضارة الفار�سية ،يف ذات املتحف �أبهرتني
قبور الفراعنة ونقو�شهم ،ومنحوتات اليونان ،و�أعمدة الرومان.
ويعك�س وجه لندن مظاهر الأر�ستقراطية والرثاء الفاح�ش يف حي
املايفري �أو من خالل البور�صة العاملية وال�شركات اال�ستثمارية يف مركز
لندن الذي ال يوجد فيه مظاهر للحياة بعد انتهاء الدوام اليومي .
وهناك وجه لندن البائ�س حيث الفقراء وامل�شردون ال م��أوى لهم
�سوى �أر�صفة ال�شوارع ،فهنالك اجلرائم يف الأحياء املظلمة وال�سرقات
يف ال�شوارع املهجورة واملخدرات يف الأماكن املهجورة .
�أم��ا وجهها املت�سامح فهو الوجه امل�ألوف ،لندن املت�ساحمة التي
تخ�ص�ص يوم ًا �أ�سبوع ّي ًا ركن ًا �آمن ًا يف حديقتها ال�شهرية "الهايد بارك"
ملن �أراد �أن ي�صرخ بحرية �أو يناق�ش بهدوء ،ذهبت لهذا الركن املثري،
ر�أيت كيف ي�صرخ البع�ض وكيف بناق�ش البع�ض بهدوء ،ر�أيت كيف يهتم
اجلميع مبو�ضوعات �سيا�سية ودينية وثقافية با�ستثاء العرب الذين دائم ًا
26
ما يثريهم "حممود" ب�آرائه ال�سطحية و�صراخه الذي يلفت اجلميع،
�أيقنت �أن احلرية وحدها غري كافية لبني يعرب ،كنت �ألتفت لأرى
اجلميع يتناق�ش بهدوء عن عي�سى عليه ال�سالم ،عن احل�ضارة الأمريكية،
عن حقوق الإن�سان ،فيما العرب املوجودون ي�ستفرغون قامو�س ال�شتائم
ب�أ�سلوب منحط ،لكنها لندن ..مل تعرت�ض .
وكما يقول �ساكنها خم�س عمره غازي الق�صيبي ،ف�إن لندن ال تعرف
�أحد ًا ،ال ميكن �أن تفرح با�ستقبال �أحد �أو حتزن لفراق �أحد ،يقول يف
مقاله باي باي لندن:
" �إذا نبغ �إن�سان يف لندن ،عرفت الدنيا كلها بنبوغه ،ولكن متى
ينبغ �أح��د يف لندن؟ بني �آالف املعار�ض التي تعج بع�شرات الآالف من
اللوحات الفنية الرائعة ،كيف ميكن �أن تظهر موهبة �شابة؟ بني مئات
املحا�ضرات التي تلقى كل �ساعة يف قلب العا�صمة وحدها ،من �سيالحظ
هذا املحا�ضر �أو ذاك؟ بني مئات ال�سا�سة الذين يتدفقون على «هيرثو» كل
�صباح ،من �سيالحظ �أن رئي�س جمهورية و�صل �أو �أن رئي�س وزراء �سافر؟
يا ل�سذاجة الزائر ـ كائن ًا من كان ـ حني يتوقع �أن يلقى معاملة خا�صة من
لندن التي ت�ضن باملعاملة اخلا�صة على نف�سها "(.)1
هذه لندن ..ال ميكن لكلمات �أن ت�صف حتى وجه ًا واحد ًا لها ،وال
ميكن لأحد �أن يقر�أ وجهها ،هي كذلك و�أعتقد �أنها �ستبقى كذلك طاملا
بقيت التواريخ القدمية يف �أعلى ق�صورها وطاملا بقي املتحدثون يف ركن
حديقتها .
-1غازي بن عبدالرحمن الق�صيبي ،باي باي لندن ومقاالت �أخرى ،مكتبة العبيكان،
الريا�ض .2007 ،
27
�صدمة ح�ضارية من نوع �آخر
ولأنني من قرية من�سية على �ساحل غربي ،ف�إنني كنت متوقع ًا
ر�ؤية ناطحات لل�سماء يف و�سط لندن و�أ�ضواء تنقلني من مكان لآخر ،
كنت �أتوقع ر�ؤية كل �شيء ينق�صني يف قريتي "احلبيل" ،كنت �أتوقع �أن
احل�ضارة هي �أعمدة الإ�سمنت وحركة الإلكرتون و�شا�شات البالزما يف
�أعلى املباين ،كنت �أتوقع �أن ح�ضارة الغرب هي املباين الزجاجية التي
�شاهدتها لأول مرة يف مدينة جدة ،كنت �أعتقد �أن قريتي هي الوحيدة
التي تعتمد على زراعة "الذرة" وتنتظر ال�سيل �شهور ًا و�شهور ًا .
لكنني �صدمت قلي ًال منذ �أول خطوة يف مطار هيرثو � ،أنهينا
�إجراءاتنا ب�سهولة كبرية يف مبنى عتيق� ،أ�صبحت بعد ذلك �أقطع تذكرة
نحو و�سط املدينة عرب جهاز �إلكرتوين لأ�صل �إىل املركز يف قطار قدمي
على �سكة حديدية منذ منت�صف القرن الثامن ع�شر ،نزلت من القطار
ومل �أجد "بنقالدي�ش ّياً" يحمل يل حقيبتي الثقيلة ،ر�أيت اجلميع يعتمدون
على �أنف�سهم ،ففعلت مثلما يفعلون ،كانت املحطة تعك�س تفا�صيل قرون
م�ضت بقدمها و�أ�صالتها ،كانت تخلو من الرخام الالمع والزجاج ال�ساطع
29
وف�سائل النخل لكنها مل تخل �أبد ًا من خدمات مل �أتوقعها بنف�سي ،كنت
�أجد كل �شيء �أحتاجه ،مل �أ�ستوعب بعد مفهوم النظام .
بعد �شهور ق�ضيتها يف مدينة نورج �أح�س�ست مبرونة يف حياتي مل
�أتعودها فيما �سبق ،كنت �أ�ستلذ ب�إنهاء معاملة يف بنك �أو �إنهاء �إجراء
من مركز �شرطة املدينة ،كنت �أنهيها يف �أقل من ع�شر دقائق ،كنت
�أجد �أمام باب منزل العائلة ظرف ًا بريد ّي ًا به خطاب يفيد ب�إنهاء كامل
معاملتي ،كنت �أحلظ �أن وقتي ي�سري ح�سب خطة معينة ،مل �أجتهد لذاك
كثري ًا لكنني كنت �أحلظ ذلك عند �إنهائي ملوعد معني ،بد�أت �أ�ستوعب
قلي ًال مفهوم النظام الذي هو �أ�سا�س املدنية .
دائم ًا ما يكرر علي �صديقي ال�سعودي الذي كان يدر�س يف ذات املعهد
الذي �أدر�س فيه ،دائم ًا ما يكرر علي ب�أن �شارع ًا يف الريا�ض يفوق �أف�ضل
�شارع يف مدينة "نوريج" ،ودائم ًا ما �أخربه ب�أن �أ�سو�أ �شارع يف مدينتنا
هذه ال يوجد فيه "حفرة" مزعجة �أو �سائق خمالف �أو قاطع لإ�شارة ،يف
�شوارع هذه املدينة جتد لوحات �إلكرتونية تخرب ال�سائق بالعدد املتاح من
مواقف ال�سيارات ،يف �شوارع املدينة يعترب نظام املرور نظام ًا �صارم ًا
لل�سائقني وهو ما مل �أجده يف �شوارع قرية من�سية �أو عا�صمة كالريا�ض .
كنت �أ�صحو يف ال�صباح الباكر ف�أجد عامل النظافة الربيطاين
اجلن�سية مييز �سلة النفايات اخلا�صة بالزجاج ثم يفرغها يف �سيارة
البلدية اخلا�صة ،ويف اليوم التايل �أرى عامل النظافة ي�أخذ �صندوق
النفايات اخلا�ص بالأوراق والأطعمة ويفرغه يف ال�سيارة املخ�ص�صة لذا .
30
بد�أت �أ�ستوعب النظام و�أتعلمه لكنني مل �أمار�سه بعد .
يف مدينتي ال�صغرية التي �أدر�س فيها مرحلة اللغة تقفل املحالت
التجارية �أبوابها بحلول ال�ساعة ال�ساد�سة م�ساء ،ويف ف�صل ال�صيف تكون
ال�ساد�سة هي منت�صف وقت الع�صر ،ومع ذلك ال حتيد عن موعدها �سوى
�ساعة �أو �أقل ،ا�ضطررت معها �إىل تكييف ذاتي مع هذا الو�ضع ،كنت
�أخطط ل�شراء عبوة ماء قبل �شرائها بيوم ،كنت �أ�شعر باالنزعاج من هذا
الو�ضع بداية الأمر �إال �أن الو�ضع تغري بالن�سبة يل متام ًا حني عرفت �أن
وقت الدوام يف البقاالت ال يختلف عنه يف اجلامعات وهو ما يوفر قلي ًال
من العدالة بني املوظفني ممن يح�صلون على ذات املميزات ،حينها
ا�ستوعبت جيد ًا ما تعنيه مفردة "النظام" فهم ًا وممار�سة� ،شعرت �أنني
�أ�سري وفق نظام معني ت�سهلت معه �أكرث �ش�ؤون حياتي .
ملمار�سة احلياة بنظام لذة ومتعة رغم ما ي�سبقها من ل�سعات خفيفة
�إال �أن الوقوف يف طابور واحد �أمام �أو خلف عميد الكلية يف مقهى الكلية
ن�شوة ال تعادلها ن�شوة .
31
بني قرية ال�ساحل ..
ومدينة الريف الإجنليزي
والفارق بينهما جتربة مثرية وثقافية تختلف حد التباين ،يف قريتي
ال�ساحلية والتي تعرت�ض الوادي بانتظار ال�سيل املتجه للبحر ،يكون الفرح
بالقرب من حافة الوادي ويف الهواء الطلق يف باحة مفتوحة ت�ستقبل �أفواج ًا
من �أفراد القرية ،تنت�شر �أجواء الفرحة بحرارة اللقاء يف �أرجاء ال�ساحة
التي حتيط بها معامل البذخ والتبذير ،ويف املقابل هناك يف و�سط الريف
الإجنليزي حيث مدينتي "نوريج" والتي ق�ضيت فيها ما يقرب من ثمانية
�أ�شهر قبل �أن �أنتقل ملدينة "لي�سرت" لدرا�سة مرحلة املاج�ستري ،هنالك يف
"نوريج" تختلف الأفراح اختالف ًا يتبع ذات الثقافة ،تتم مرا�سم الزواج
يف احدى الكنائ�س املغلقة ،وقد يكون يف منزل مغلق دون �أن يكون للمكان
املفتوح وجود ،يحتفظ اجلميع بفرحة باردة ت�صيبهم ب�إدمان ال�صمت،
فيما تختفي مظاهر التبذير والبذخ لتحل مكانها مظاهر االعتدال يف
الأكل وال�ضيافة .
يف قريتي ال�صغرية معامل ووجوه ال تتغري ،الكل يعرف الكل ،يندر
�أن يحل وجه غريب بال عنوان ،متر �شهور و�شهور قبل �أن يرى والدي وجه
غريب يف قريتنا ورمبا حتى يف القرى املجاورة ،تكرث اللقاءات واملنا�سبات
33
والزيارات املنزلية ،ما زالت القرية حتتفظ بروابط اجتماعية قوية
مقارنة مبدن تخلت عنها �أمام التغريات املت�سارعة جلو املدينة ،وذلك ما
ينطبق على مدينتي ال�صغرية "نوريج" والتي ت�ستقبل يوم ّي ًا وجوه ًا جديدة
وثقافات عديدة ،ومن النادر �أن ي�صادف ال�شخ�ص وجه ًا �أكرث من مرة
يف اليوم يف طرقاتها العتيقة ،فقدت املدينة ا�ستقاللها بدء ًا من حمطة
القطار التي تزف يوم ّي ًا �أنا�س ًا �أغراب ًا عن املدينة وانتهاء بجامعتها التي
ت�ستقبل وتودع كل �سنة وجوه ًا وثقافات عديدة ،يف هذه املدينة وغريها
من املدن حتطمت الروابط االجتماعية وحلت مكانها املواعيد ال�سابقة
وال�ن��ادرة واملنا�سبات اليتيمة والرتابة يف الأف��راح ،اختفت العائالت
املمتدة وحلت مكانها العائلة ال�صغرية ج ّد ًا .
ا�ستوعبت باملعاي�شة مفهوم القرية واملدينة ،تقرتب القرية كثري ًا
من حدود العائلة ،وك�أن ذات القرية هي عائلة كبرية فيما تعترب املدينة
حمطة على طريق �سفر دويل ،يف مدينة "نوريج" مل �أ َر وجه ًا �أكرث من
مرة يف مركز الت�سوق القريب من منزل العائلة التي �أ�سكن معها� ،أ�شعر
دائم ًا �أنني ن�سخة فريدة �أمام الغري متام ًا كما �أراهم ،ا�ست�شعرت الفارق
جيد ًا عندما عدت �إىل قريتي يف �إجازة ق�صرية الحظت خاللها الكثري
من االختالفات.
�أكرث ما يعجبني يف القرى واملدن الربيطانية �أنها ن�سخة م�صغرة من
العا�صمة الربيطانية مع فارق ب�سيط يف احلياة االجتماعية ،تتوفر جميع
اخلدمات التعليمية وال�صحية واملعرفية واملوا�صالت فيها متام ًا مثلما هي
34
يف العا�صمة ،مل ت�سمح املدن ال�صغرية للعا�صمة باال�ستئثار باخلدمات ،
تبعد مدينة "نوريج" عن العا�صمة لندن م�سافة زمنية تقدر بال�ساعتني
�أقطعها يف قطار دقيق املواعيد ثم �أع��ود يف ذات اليوم بكل هدوء بعد
�أن �أق�ضي يوم ًا �صاخب ًا .
لكن قريتي ال�ساحلية ما زالت ت�سافر من �أجل خدمة ت�سكت بها �سكانها
الذين تودعهم مع كل رحلة نحو ال�شمال ،ال�سفر من قريتي ب�إجتاه ال�شمال
يعترب ق�صة بحد ذاته ،تقر�أ قريتي ر�سائل الربيد بعد �أن ي�صيبها الربود
ويعد �أن تفقد املظاريف بهجة اال�ستالم فيما ي�سابق رجل الربيد يف "نوريج"
�شروق ال�شم�س نحو �أبواب املنازل لئال تفقد الر�سائل الورقية وهجها .
ما يعيب املدن والقرى الريفية الإجنليزية من وجهة نظر الثقافة
ال�شرقية هو خلودها للنوم مبكر ًا يف �إج��ازة نهاية الأ�سبوع ،بعك�س
العا�صمة لندن التي تظل بحركتها حتى �شروق ال�شم�س وخا�صة يف �شارع
"اجوار روود" الذي ا�ستن�سخ �شوارع املدن العربية مبطاعمها ومقاهيها،
لذلك يعرتيني حنني لهذا ال�شارع بني فينة و�أخ��رى لأتناول ال�شاورما
الرتكية وال�شاي املغربي والفو�ضى العربية ،كم �أ�شعر بلذة العروبة حني
�أكون بعيد ًا وما �ألذ العروبة حني �أكون عنها بعيداً.
مل تكن تلك الق�صة كاملة ،فما زال هنالك الكثري من االختالف بني
قرية �ساحلية ومدينة ريفية ،وللذين يرون �إجحاف املقارنة �أقول لهم ،مل
تكن مدينة "نوريج" �سوى ع�شر عا�صمتنا لكنها م�ستعدة للبقاء بخدماتها
احلالية ونظامها ال�صارم لعقود قادمة .
35
تفا�صيل يومي الإجنليزي
ت�أخذين التفا�صيل اليومية هنا �إىل متعة حقيقية �أحيان ًا و�إىل كدر
�أحيان ًا �أخرى ،يبد�أ يومي الإجنليزي با�ستيقاظ ثقيل ال يختلف كثري ًا عن
ال�صباح ال�سعودي والذي �أجاهد فيه نف�سي جهاد ًا ع�سري ًا حتى �أ�ستيقظ،
�أحاول قدر امل�ستطاع �أال �أخ�سر دقيقة واحدة لئال يفوتني با�ص رقم (.)9
و بعد �أن �أكمل جتهيز نف�سي �أن��زل ب�سرعة متجه ًا نحو الثالجة لآخذ
"ال�ساندوي�ش" والذي �أعده يف الليلة ال�سابقة �،أخربت �أختي فيما بعد
�أنني عدت لأيام الطفولة بكل تفا�صيلها با�ستثناء االعتماد على الذات ،
�أجته بعدها نحو موقف البا�ص الذي يقع بقرب البيت مبا�شرة � ،أحيان ًا
يفوتني البا�ص ف�أ�ضطر النتظار با�ص �آخر مما يكفلني الإعداد العتذار
عن الت�أخري.
�أ�صل للمعهد تقريب ًا يف ال�ساعة التا�سعة والن�صف وهو توقيت ال
يتغري بتغري الف�صول ،و كما يقول الكاتب علي �سعد املو�سى :ال �أعرف ما
الذي ي�ستثنينا من بني دول العامل لنبد�أ الدوام يف ال�صباح الباكر وقبل
�أن تفيق الع�صافري يف �أع�شا�شها ؟! .ل�ست بحاجة �إىل القول ب�أن م�ستوى
"طريقة التعليم" يختلف كثري ًا عن ال�سعودية ،با�ستطاعتنا �أن نطور من
37
"طريقة تعليمنا" لي�صل مل�ستواهم �إال �أننا �سن�صدم بعقول حجرية "ن�سبة
ل�صالبتها ولي�س لقدمها" تناق�ش ال�شكليات فقط ،يف ف�صلنا الدرا�سي
ويف الوقت املخ�ص�ص للنقا�ش ك ٌّل يعرب عن ر�أيه بكامل احلرية وغالب ًا
ما يكون ر�أيي خمتلف ًا عن ر�أي مدر�سي الذي يرد علي بابت�سامة � ،أما يف
ف�صلنا الدرا�سي يف بلدي ف�إن كالم املدر�س خالل 45دقيقة هو حقائق
ال تقبل النقا�ش � ،أخربت مدر�ستي ب�أن م�ستودعاتنا تختزن من الأجهزة
املدر�سية �أكرث مما حتتويه م�ستودعات بريطانيا ،و�أن جامعاتنا تبنى على
طراز خم�سة جنوم بينما العقول والبحوث غالب ًا ما تكون غري م�صنفة !.
بعد �ساعة ون�صف ال�ساعة وحتديد ًا ال�ساعة احلادية ع�شرة �صباح ًا
تبد�أ فرتة الإفطار ،وهي فرتة حمببة لدي �أ�ستغلها يف �إجراء حمادثات
مع باقي الطالب من خمتلف دول العامل وكثري ًا ما تدور املحادثات عن
العادات والثقافات وتفا�صيل الوطن ،يف م�ساحة �صغرية يجتمع طالب
من �أنحاء العامل ليتحدثوا بلغة واح��دة ،وحني �أج��ول بنظري �أرى كل
اثنني يتحدثان ب�صوت م�سموع يف نقا�ش عام ،خالل ن�صف ال�ساعة �أكون
قد ا�ستفدت الكثري بدء ًا من التعرف على ثقافة جديدة وانتها ًء بتمرين
مهارة التحدث لدي � ،أحيان ًا �أت�سلل خفية نحو معمل الإنرتنت لأدخل موقع
�صحيفة الوطن ال�سعودية لأقر�أ عناوين املقاالت و�أحيان ًا ي�ستهويني الكاتب
علي �سعد املو�سى لأقر�أ املقال كام ًال � .أعود بعد ذلك لإكمال املحا�ضرة
الثانية والتي ت�ستمر �ساعة ون�صف ال�ساعة قبل فرتة الغداء ،بعد ذلك
تكون حما�ضرة ما بعد الظهر وغالب ًا ما تكون حما�ضرة خم�ص�صة
38
للمحادثة ،ويف هذه املحا�ضرة تقوم بتدري�سنا مدر�سة بريطانية تع�شق
ثقافة ال�شرق ،تع�شق رائحة البخور وطعم الكب�سة وكرم العربي ،تفاج�أت
�أكرث حينما اكت�شفت �أنها تعرف تفا�صيل احلياة العربية ب�شخ�صياتها
ال�شهرية كامللك في�صل رحمه اهلل والوزير �أحمد زكي مياين وزير النفط
الأ�سبق � ،أخربتني فيما بعد �أن زوجها �سوري ،طلبت ذات م��رة من
�صديقي �أن يجلب لها بخور ًا من ال�شرق ،حدثتها ذات مرة �أن التاريخ
يحمل بع�ض الت�شوي�ش فيما يخت�ص بق�ضية فل�سطني و�أول من �سكنها ،
فوجدتها تعرف تفا�صيل فل�سطني احلقيقية .
ينتهي اليوم الدرا�سي الطويل يف ال�ساعة الثالثة والن�صف لأعود
بعدها �إىل املنزل و�أحيان ًا �أذهب �إىل "الفورم" �أو املكتبة وهي مكتبة عامة
حتوي خدمات كثرية مثل ا�ستعارة الكتب املجانية �أو الأفالم �إ�ضافة �إىل
خدمة الإنرتنت والطباعة واال�ستعالمات العامة عن �أي �شيء يخت�ص
مبقاطعة "نورفولك" ،وهي ما نفتقده يف حمافظات كثرية يف ال�سعودية
�.أ�صل البيت يف ال�ساعة الرابعة ع�صر ًا حيث �أ�سرتخي قلي ًال �إىل �أن يحني
موعد الع�شاء يف متام ال�ساعة ال�ساد�سة والن�صف ،وهي معاناة �أخرى من
معانيات الغربة وهي عدم وجود الأكل املنا�سب ،فلي�س يف كل مرة يكون
الطبق لذيذ ًا غري �أن ربة البيت والتي �أطلق عليها ا�سم "املذر" ذكية ج ّد ًا
فهي ال تقوم ب�إعداد الوجبة مرة ثانية �إذا الحظت �أنني مل �أ�ستهلكها ب�شكل
جيد ،بعد الع�شاء �أجل�س فرتة من الزمن مع املذر ن�شاهد الأخبار مع ًا
ثم م�سل�س ًال �إجنليز ّي ًا � ،أثارت �إعجابي اخلدمة التلفزيونية يف بريطانيا ،
39
حيث مت تخ�صي�ص قناة خا�صة لكل مقاطعة تنقل تفا�صيل الأخبار بحيث
ال ميكن م�شاهدتها يف مقاطعة �أخرى ،ولذلك جتد الإجنليز يحر�صون
على م�شاهدة الأخبار لأنها تنقل لهم الأحداث يف مدينتهم �أو مقاطعتهم
وهذا ال�شيء ينطبق على الراديو وال�صحف اليومية ،حينما وقع االعتداء
على �أحد زمالئي قامت و�سائل الإعالم هنا بالتفاعل ال�سريع مع الق�ضية
و�أبرزتها يف ال�صحف و الإعالم ال�سمعي واملرئي ،لكنني �أكون يف موقف
ال �أح�سد عليه حينما تبث قناة BBCمقطع ًا لأحد الأ�شخا�ص امللثمني
معتق ًال �أحد اجلنود ويهدد بقتله �أمام �شا�شات التلفزة ،حينها ال �أملك
�سوى دفع التهمة عني وك�أنني على موعد غد ًا يف املحكمة ،من ال�سهل ج ّد ًا
�أن ميثل �شخ�ص كهذا ثقافة �أمة ب�أكملها ومن ال�سهل ج ّد ًا �أن يعمم "الآخر"
ت�صرفه ذلك ،بعد �أن �أنتهي من م�شاهدة الأخبار وامل�سل�سل التلفزيوين
الذي ينقل يل ثقافة الإجنليز� ،أ�صعد لغرفتي ال�صغرية لأبد�أ املذاكرة التي
ا�ست�صعبتها يف بداية الأمر رغم حداثة عهدي باجلامعة ،و�أت�سلل �أحيان ًا
�إىل "مواقع" ال�شرق لأتابع امل�ستجدات الفكرية يف "�ساحتنا" والتي ال متل
من بعث م�شكلة فكرية ليبد�أ بعدها الت�صنيف والإق�صاء الذي مل �أجده
هنا !
40
با�ص رقم ()9
عندما و�صلت لأول م��رة �إىل مدينة "نوريج" كنت �أ�ستخدم
التاك�سي يف تنقالتي ،غري �أن ربة املنزل التي �أ�سكن معها ن�صحتني
بعدم ا�ستخدامه �إال يف حاالت ال�ضرورة ،و�أن علي �أن �أ�ستخدم البا�ص
يف تنقالتي كونه �أرخ�ص بكثري وعمل ّي ًا ب�شكل �أكرب ،مل �أقتنع يف بداية
الأم��ر لأنني كنت �أح�سبه كبا�ص البلد يف جدة ب�شكله املتهالك والذي
يتزاحم فيه النا�س من �أجل احل�صول على مقعد ،غري �أنني اكت�شفت
عك�س ذلك متام ًا بعد �شرائي لأول تذكرة �أ�سبوعية ابتد�أتها بتوجهي �إىل
املركز الإ�سالمي لتناول وجبة الإفطار الرم�ضانية ،مل �أكن �أعرف متى
�سيتوقف البا�ص عند املركز الإ�سالمي والذي ال �أعرفه هو الآخر � ،أخربت
�سائق البا�ص عن ذات املركز و�أخربين ب�أنه مل ي�سمع به لكنه �سيو�صلني
للجامعة والتي يوجد بها مركز �إ�سالمي من املمكن �أن ي�ؤدي الغر�ض !.
قبلت ذلك وجل�ست يف مقعدي انتظار ًا لإ�شارة من ال�سائق ،كان اجلميع
يدخلون البا�ص ويعر�ضون تذاكرهم بي�سر و�سال�سة دون ت�أخري �أو �إثارة
�أية م�شكالت ،وعندما يهم �أحد باخلروج فلي�س عليه �سوى �أن يقرع على
�أحد الأجرا�س ليتوقف بعدها البا�ص يف نقطة معينة ،كان البا�ص مير
41
بجانب منزيل كل ربع �ساعة � ،أخربين البا�ص ب�أين علي �أن �أنزل هنا ،
وقد كان بالفعل املركز الإ�سالمي الذي �أبحث عنه وتناولت فيما بعد وجبة
الإفطار الرم�ضانية فيه .
بعد �أن انتهيت من لقاء الأ�صدقاء يف املركز الإ�سالمي كان علي �أن
�أعود للمنزل وذلك يف ثاين يوم يل يف هذه املدينة ،خرجت من املركز
باجتاه موقف البا�صات ،ر�أيت اجلميع ينتظرون البا�ص ،ور�أيت بع�ضهم
ال ي�ستقلون البا�ص حني ي�أتي فعرفت �أنهم ينتظرون با�ص ًا معين ًا وهنا
بد�أت احلرية ،مل �أ�ستف�سر من ربة البيت عن رقم البا�ص الذي �سيعيدين
للمنزل ،ا�ستقللت با�ص ًا ع�شوائ ّي ًا ملركز املدينة ومنه ا�ستقللت با�ص ًا �آخر
نحو منزيل� ،إال �أنني نزلت يف موقف خط�أ يف وقت مت�أخر من الليل � ،شعرت
بحالة من التيه وال�ضياع ،ال �أعرف عنوان البيت وال�أعرف حتى االجتاهات
الأ�سا�سية يف هذه املدينة ،حاولت �أن �أخمن جهة معينة �إال �أنني مل �أ�ستطع
توجهت بعدها ل�شارع ال �أعرفه وعندما حتققت من �ضياعي ات�صلت بربة
البيت والتي وجدتها قلقة علي بعد ت�أخري ل�ساعات � ،شعرت حينها بحنان
الأمومة ،و�صفت يل الطريق �إال �أنني مل �أ�ستوعب ذلك � ،أوقفت بعدها
رج ًال ميتطي دراجة هوائية و�أعطيته الهاتف اجلوال ليحادث ربة البيت
التي و�صفت له الطريق متام ًا وهو بدوره وجهني نحو املنزل ،كانت تلك
�أول جتربة يل ولدت يف داخلي �إحباط ًا كبري ًا من املدينة وطريقة التنقل �إال
�أنني تعودت بعد ذلك بعد �أن تعرفت على �أرقام البا�صات .
ك��ان البا�ص رق��م ( )9هو با�ص ًا مميز ًا ل��دي كونه البا�ص الذي
42
�أ�ستقله يوم ّي ًا للو�صول �إىل املعهد ،كنت �أنتظره كل �صباح يف متام ال�ساعة
التا�سعة والثلث ،وكان ذات البا�ص يحمل عجائز يف طريقهن لعملهن ،
كنت �أت�أمل احليوية يف �أج�سادهن رغم كرب �سنهن وكنت �أغبطهن على
ثقتهن واعتمادهن على �أنف�سهن رغم �أنهن يف �آخر �سني العمر ،كنت
�أحلظ لدى ركوبي البا�ص مدى احرتام امل�سنني وامل�سنات و�إتاحة املقاعد
لهم ،كنت �أعتقد �أن هذا التقليد هو حكر لثقافتنا كما �أخربنا بذلك
م��رار ًا ،علمني با�ص ( )9الكثري والكثري ،علمني االلتزام باملواعيد ،
كنت �أحتمل �ضريبة الت�أخري عن حما�ضراتي الدرا�سية �إذا ما ت�أخرت
على البا�ص ن�صف دقيقة ورمبا �أقل يف كثري من الأحيان � ،أحيان ًا �أرى
البا�ص يتحرك �أمامي وال �أ�ستطيع �إيقافه كونه و�صل لنقطة الوقوف قبل
�أن �أ�صل بثوانٍ .
ذات يوم ت�أخر البا�ص كثري ًا �أثناء عودتي من املعهد فا�ستقللت با�ص ًا
�آخر ذا رقم خمتلف فقدمت يف ذات اليوم �شكوى �ضد با�ص ( )9فكان
االت�صال من م�س�ؤول يف ال�شركة يف ذات اليوم ليقدم االعتذار وير�سل
تذكرة مفتوحة ليوم واحد ،اعتقد �صديقي �أنهم �سيعطونني تذكرة �شهر
كامل ،فقلت له يا �صديقي لقد كانت امل�شكلة يف يوم واحد وه�ؤالء القوم
ال ينق�صون �أحد ًا ح ّق ًا وال يزيدون .
بعد فرتة �ألفت البا�ص رقم ( )9و�سائقيه فما زلت �أحتفظ بجميع
التذاكر الأ�سبوعية حتى الآن ،ذلك �أنني �أرى للبا�ص �أهمية كبرية يف
تكوين �صفحة ذكرياتي متام ًا مثل البا�ص رقم ( )6والذي كان يقل غازي
43
الق�صيبي من " �شقة احلرية " �إىل كلية احلقوق �أثناء درا�سته يف م�صر ،
علمني البا�ص االن�ضباط التام كما علمني طريقة االعتذار ،علمني البا�ص
�آداب التعامل مع اجلال�سني كما عرفني على بع�ض الذين ينتظرونه معي،
بعد �أن انتقلت ملدينة "لي�سرت" اخرتت �سكن ًا يف داخل اجلامعة افتقدت
ثقافة البا�صات ،افتقدت االن�ضباط واالنتظار ،افتقدت �شراء التذاكر
يف وقت حمدد واحلر�ص على احل�صول على تخفي�ض معني ،افتقدت
حوارات الركاب وثرثراتهم� ،أخربت �صديقي ب�أنني �س�أ�ستقل با�ص خط
البلد يف جدة لأتذكر مدينتي وعائلتي الإجنليزية ،و�س�أنتظر با�ص البلد
حتى لو ت�أخر �ساعة !.
44
جولة يف �شارع العرب
Edgware Road
ال �أعتقد �أن �سعود ّي ًا زار لندن ورمبا �إجنلرتا دون �أن يتجول يف �شارع
"اجوار روود" ففي هذا ال�شارع تختفي املعامل الغربية �إال من البا�ص
الأحمر وحتل حملها الثقافة العربية بكل جتلياتها ،تنت�شر يف �أرجاء
ال�شارع رائحة املع�سل وهي تغلب رائحة البخور الذي جتتهد بع�ض املحال
التجارية يف بيعه هناك ،ت�صف �صحيفة التاميز الربيطانية الر�صينة
"اجوار روود" �أو �شارع العرب بو�صف بريوت ال�صغرية �أو القاهرة
ال�صغرية حيث يتحول ال�شارع يف ف�صل ال�صيف �إىل �شارع عربي يتحول
الربيطاين فيه �إىل رجل غريب ودخيل على ثقافة ال�شارع ،تقول ال�صحيفة
�إن الرجل العربي ينام بالنهار وي�سهر يف الليل يف هذا ال�شارع بعد �أن ي�أكل
من ال�شاورما ليوا�صل �سهرته على "ال�شي�شة" والتي متثل ثقافية عربية
بالن�سبة للإجنليز .
يتميز هذا ال�شارع الذي يقع يف غرب لندن مبوقعه ال�شهري حيث
ينتهي �أحد �أطرافه بحديقة "الهايد بارك" ال�شهرية و�شارع �أوك�سفورد
التجاري ،ويقرتب كثري ًا من حي املايفري الذي يعترب حي ال�صفوة من
الأثرياء ،وا�ستطاع هذا ال�شارع بثقافته العربية �أن يجرب �أكرب �شا�شات
45
ال�سينما يف لندن على عر�ض �أفالم عربية ،تنت�شر املطاعم العربية ذات
اجلودة العالية يف هذا ال�شارع حتى الأكلة العراقية ال�شهرية "امل�سكوف"
وهي طريقة عراقية ل�شواء ال�سمك تقدم بجودة عالية رمبا تناف�س مطاعم
عراقية يف ذات البلد .
غري �أن هذا ال�شارع الذي يحلو للعرب �إطالق م�سمى "�شارع العرب"
عليه ال يخلو من اال�ستخفاف بالعقول العربية عرب كثري من الكتب
وامل�ؤلفات التي ت�ستنزف اجليب قبل العقل عن طريق عناوين جذابة
وف�ضائحية جترب الزائر على ت�صفح حمتواها � ،أ�شعر باخلجل ال�شديد
حني تنت�شر هذه الكتب التي تدعي ن�شر ف�ضائح الزعماء ال�سيا�سيني �أو
ال�شخ�صيات االقت�صادية �أو الت�صنيفات القبلية � ،أ�شعر باخلجل حني
يعترب الأوروبيون �أن ذلك هو نتاج العقل العربي بينما توازن مكتباتهم بني
ذلك وذاك ،رغم �أن هنالك �أكرث من دار حمرتمة للن�شر والتوزيع مثل
دار ال�ساقي التي تهتم باجلاد من الكتب وامل�ؤلفات .
مل يقدر كثري من العرب الذين قدموا لهذا ال�شارع والأحياء املحيطة
به لتكوين حياتهم ،مل يقدروا هذه الفر�صة واحلرية لكي ير�سموا وجه ًا
ح�ضار ّي ًا م�شرق ًا بد ًال من ر�سم معامل الفو�ضى ،مل يلتزموا ب�أنظمة البلد
من حيث النظافة وقانون منع التدخني يف الأماكن املغلقة وا�ستخدام
منبهات ال�سيارات والتي ال تكاد ت�سمع �سوى يف هذا ال�شارع .
و�شارع العرب "�إجوار روود" هو واحد من �شوارع عديدة يف لندن
تخ�ص�ص لثقافة معينة ،فهنالك �شارع ياباين و�شارع برازيلي وحي
46
�صومايل وحي �صيني ،وكل �شارع �أو حي يوفر م�ستلزمات ذات الثقافة
من م�أكوالت وم�ؤلفات وو�سائل �إعالمية وغريها مما يجعل لندن قرية
�صغرية يف طريقها لفقدان هويتها الربيطانية ،وهذا ما اكت�شفته مع
كل زي��ارة يل للندن ،فذات مرة تهت بعد يوم �شاق ق�ضيته م�شي ًا على
الأقدام يف التعرف على �شمال لندن وانتهى بي املطاف �إىل منطقة تقل
فيها مواقف البا�صات ،غري �أين ا�ستقللت با�ص ًا �أو�صلني ملنطقة تغلب
عليها املالمح الأفريقية � ،شعرت باخلوف ملا تتميز به هذه املناطق من
انخفا�ض معدل الأمن وارتفاع معدل اجلرمية مقارنة بغريها من �أحياء
لندن ،قررت بعدها ا�ستخدام و�سيلة مرتو الأنفاق والذي �أو�صلني جمدد ًا
ل�شارع العرب.
�أ�شعر يف كثري من الأحيان بحنني لهذا ال�شارع لتناول �ساندوت�ش
من ال�شاورما وق��راءة �صحيفة عربية وتذوق احللويات العربية ال�شهية
كالكنافة والبقالوة وغريهما والتي تتوفر ب�شكل كبري يف هذا ال�شارع ،
و�أحيان ًا �أجتول يف بع�ض البقاالت التي تبيع بع�ض الكتب ال�سخيفة مع املواد
الغذائية ،وتخلط يف �أدراجها بني الغث وال�سمني ،يف �إحدى زياراتي لها
قر�أت عنوان ًا جذاب ًا بخط مميز يف �أعلى غالف كتاب يقول "�سارع قبل
م�صادرة الكتاب " م�ستغ ًّال �سذاجة القارئ العربي .
ما زلت �أحمل �أم ًال يف �أن يتحول هذا ال�شارع �إىل تظاهرة ثقافية ولو
ليوم وحيد يف ال�سنة امليالدية لعر�ض ثقافتنا العربية لكل زائر ،فكثري
من ال�شوارع التي تنتمي ملدن العامل تتميز مبالمح ثقافية وجادة ،ما زلت
47
�أحلم ب�أن يلتزم هذا ال�شارع بالأنظمة يف التقليل من ا�ستخدام منبهات
ال�سيارات والتخفيف من التهور ،ما زلت �آمل �أن يلتزم امل�شاة ب�إ�شارات
امل��رور وع��دم رمي املخلفات على ال�شارع حتى ال يتحول �إىل جبال من
النفايات كما تقول �صحيفة التاميز الربيطانية.
48
�أوقفوا عر�ض م زايني الإبل .
و�صور اخليمة وال�صح راء
اعتاد الطالب العرب وخا�صة ال�سعوديون منهم على �إقامة معر�ض
�أو ي��وم يخت�ص بعر�ض ثقافة بلدانهم وم��ا تتميز به ،ويتكلف الطالب
ال�سعوديون ب�شكل �أكرب يف هذا اليوم وذلك مبجهودات �شخ�صية يف كثري
من الأحيان حيث يتكفل �أحدهم ب�إح�ضار "ال�شماغ ال�سعودي" فيما يتكفل
�آخر بالقهوة العربية ،وال �أعرف حقيقة من الذي يتكفل ب�إح�ضار اخليمة.
دائم ًا ما �أبدي امتعا�ضي من كثري من هذه املعار�ض والأيام ال�سعودية،
ل�سبب واحد وهو �أنها تر�سخ �صورة منطية تر�سمت يف �أذه��ان الغرب ،
�صورة مفادها �أننا ما زلنا ن�سكن اخليام يف و�سط ال�صحراء ون�ستخدم
اجلمال و�سيلة للتنقل ،يخربين �صديقي الذي �سكن مع عائلة �إجنليزية
�أنها �س�ألته ذات يوم ما �إذا كان يذهب ملقر عمله راكب ًا "جمالً"!!.
�أرف�ض متام ًا حني تل�صق بنا هذه ال�صورة النمطية الفجة ونحن
الذين ن�سابق الزمن بالنه�ضة العمرانية والتعليمية � ،أرف�ض �أن نكون
�صورة حتتل الناقة فيها امل�شهد كام ًال فيما تنفق الدولة مبالغ باهظة على
ج�سور وطرقات تربط مدنها وال يعرت�ضها �سوى جمل �سائب !.
لذلك كنت دائم ًا ما �أعتب على كثري من زمالئي ب��أن يكفوا عن
49
عر�ض �صور اجلمال واخليام وال�صحراء � ،أخربتهم �أن لدينا �أهم من
ذلك بكثري � ،أخربتهم �أن لدينا ما نقدمه للإن�سان الآخر ،لدينا جمال
العمارة الإ�سالمية والبناء والت�شييد تتجلى يف احلرمني ال�شريفني ،لدينا
حفل �سنوي ديني وثقايف كبري وهو �أي��ام احلج جتمع بني ثقافات �شتى
يجمعها دين واح��د ،دائم ًا ما �أخربهم �أن هنالك جامعة يف ال�ساحل
الغربي تتقدم بخطا مت�سارعة نحو العاملية وهي جامعة امللك عبداهلل
للعلوم والتقنية ،كنت ال �أمل من �إخبار عائلتي الإجنليزية �أن لدينا مدينة
معلقة بني ال�سماء والأر���ض تلتقط قطرات املطر قبل و�صولها للأر�ض
لكنني مل �أ َر �صور ًا لهذه املدينة � -أبها -وك�أن النفو�س ف�ضلت اجلفاف
على اخل�ضرة ،كثري ًا ما �أمتنى �أن يت�صدر الق�سم الريا�ضي يف املعر�ض
ال�سعودي �إ�ستاد امللك فهد بالريا�ض بجمال ت�صميمه لنخرب اجلميع ب�أننا
طرف يف النه�ضة والتطور الذي تت�سابق فيه كثري من الدول.
دائم ًا ما �أردد ب�أن اليابان لي�ست بحاجة لتعريف النا�س بريادتها يف
عامل التكنولوجيا ،فهذه هي ال�صورة النمطية التي تكونت عنها ورمبا
تكون حمقة �إىل حد كبري ،لذا فال �ضري �أن تعر�ض ج��زء ًا من تراثها
وثقافتها � ،أما نحن ف�إننا دولة حديثة ت�سعى لإيجاد موطئ قدم بني الأمم،
وت�سعى لتعريف العامل مبنجزاتها احل�ضارية و�أنها لي�ست جمرد �صحراء
حتوي جما ًال �سائبة وخيام ًا مهجورة بجوار �سيارات الدفع الرباعي ،
يحزنني ج ّد ًا حني �أقر�أ �إعالن ًا يف مكان ما عن معر�ض لل�سيارات اليابانية
�أو املنتجات ال�صينية �أو املخرتعات الأمريكية �أو اجلامعات الربيطانية
50