PDF ArchiveHistorical archive . public document
2013 . March . 5

باص رقم9 ياسين الصالحي

باص رقم9_ياسين الصالحي.pdf

PDF 1.4 112 pages 644.88 KB Filed 05/03/2013
Download this PDF
باص رقم9_ياسين الصالحي.pdf
Web reader . 5 pages of 112
Page 4 of 112, باص رقم9 ياسين الصالحي
4 / 5

File preview

‫با�ص رقم (‪)9‬‬ ‫م�شاهدات طالب �سعودي يف بريطانيا‬ ‫ح ياسني حمد الصاحلي‪1431 ،‬هـ‬ ‫فهرسة مكتبة امللك فهد الوطنية أثناء النشر‬ ‫الصاحلي ‪ ،‬ياسني حمد‬ ‫باص رقم ‪ / .9‬ياسني حمد الصاحلي ‪ -‬الرياض ‪1431 ،‬هـ‬ ‫‪ ...‬ص ؛ ‪ ..‬سم‬ ‫ردمك‪978-603-00-4306-4 :‬‬ ‫‪ - 1‬بريطانيا ‪ -‬وصف ورحالت‬ ‫ ‬ ‫ديوي ‪914 ، 304‬‬ ‫أ‪ .‬العنوان‬ ‫‪1431/1134‬‬ ‫رقم اإليداع‪1431/1134 :‬‬ ‫ردمك‪978-603-00-4306-4:‬‬ ‫با�ص رقم (‪)9‬‬ ‫م�شاهدات طالب �سعودي يف بريطانيا‬ ‫الطبعة األولى‬ ‫‪1431‬هـ ‪2010 -‬م‬ ‫يا�سني بن حمد ال�صاحلي‬ ‫‪busno.9@hotmail.com‬‬ ‫مقدمة‬ ‫وبالرغم من �أنها مقدمة ‪� ،‬إال �أنها – كما تبدو‪ -‬ختام م�شاهداتي‬ ‫خالل مرحلة درا�ستي يف بريطانيا‪ ،‬ولي�س �س ّر ًا �إن قلت �إن هذا الكتاب ما‬ ‫كان ليولد لوال �إرها�صات الإلكرتون ‪ ،‬وقد تكون رجعية مني �أتراجع فيها‬ ‫عن �صفحات �إلكرتونية �إىل �صفحات ورقية تفتح �شهية الرقيب‪ ،‬يا لها‬ ‫من مفارقة !‪.‬‬ ‫منذ �أول يوم و�صلت فيه �إىل بريطانيا كنت �أمر بتجارب وم�شاهدات‬ ‫�أحكيها عرب الهاتف لأفراد عائلتي ولأ�صدقائي ‪ ،‬وحينها ولدت فكرة �إن�شاء‬ ‫مدونة �إلكرتونية �أكتب فيها "بحرية" بعيد ًا عن املجموعات الطالبية التي‬ ‫يغلب عليها الت�شنج ‪ ،‬غري �أنني تكا�سلت فيما بعد عن تدوين جتاربي ‪،‬‬ ‫حتى جاء اليوم الذي التحقت فيه مبعهدنا للغة الإجنليزية فتاة برازيلية‬ ‫متخ�ص�صة يف القانون الدويل وكانت تطمح يف �أول زيارة لها لربيطانيا‬ ‫�إىل تطوير لغتها الإجنليزية لرغبتها ال�شديدة يف احل�صول على وظيفة‬ ‫حماماة ‪ ،‬كانت تلك الفتاة تكتب حلقة يومية يف مدونتها الإلكرتونية عن‬ ‫م�شاهداتها وجتاربها وعالقاتها ومواقفها يف داخل املعهد وخارجه ‪،‬‬ ‫وخ�صو�ص ًا مواقفها مع الطالب ال�سعوديني وكانت تبدي �إعجاب ًا كبري ًا‬ ‫‪5‬‬ ‫�أحيان ًا وده�شة �أحيان ًا �أخرى مما ت�سمعه عن ثقافتنا العربية وال�سعودية‬ ‫حتديد ًا ‪ ،‬كانت ت�س�ألنا ونحن جنيب على �أ�سئلتها ب�صراخ �أحيان ًا �أو‬ ‫ب�سخرية من �أ�سئلتها �أحيان ًا �أخ��رى ‪ ،‬لكنها كانت ال تنام حتى تكتب‬ ‫ب�أ�سلوب م�شوق عن كل ما ت�سمعه منا يف مدونتها التي �سببت لها بعد ذلك‬ ‫�صداع ًا من نوع �آخر فا�ضطرت �إىل �إقفالها ‪.‬‬ ‫قفزت �إىل ذهني من جديد فكرة التدوين ف�أن�ش�أت املدونة و�أ�سميتها‬ ‫"مدونة يا�سني" ‪ ،‬ذلك لأنني �س�أكتب عن جتاربي و�آرائي وانطباعاتي‬ ‫اخلا�صة ‪ ،‬وكتبت يف �أعلى املدونة ‪:‬‬ ‫" يف هذه املدونة �أكتب �أفكاري التي �أعتقد �أنها قيمة ‪ ،‬تركت لكم‬ ‫م�ساحة للرد والتعليق مبا تعتقدون �أنه فكر قيم ‪ ،‬لذا �أعزائي القراء‬ ‫�ستجدون هنا �أفكار ًا توافقكم و�أخرى قد تدعوكم للغ�ضب ‪ ،‬فال تفرحوا‬ ‫�أ�شد الفرح وال جتزعوا �أ�شد اجلزع ‪ ..‬لكن فقط دعوا �أفكارنا تتالقح‬ ‫لتنتج فكرة تو�صلنا لل�سماء !‪" .‬‬ ‫وك��ان لزام ًا علي �أن �أكتب تلك العبارة كاتفاقية لقراءة املدونة‬ ‫لإمياين التام �أن ذات ال�شخ�ص الذي �سي�صفق فرح ًا بفكرة ما �سي�أتي‬ ‫يف اليوم التايل لي�سطر غ�ضبه من خلف ال�شا�شة وعلى �صفحة املدونة‬ ‫الإلكرتونية ‪.‬‬ ‫غري �أنني بعد م��رور ع��ام كامل على �إن�شاء امل��دون��ة‪ ،‬ب��د�أت �أفكر‬ ‫جد ّي ًا يف كتابة �أفكاري يف كتاب مطبوع ‪ ،‬و�شجعني على ذلك قلة الكتب‬ ‫املعرو�ضة التي تتحدث عن هذا اجلانب ‪ ،‬وكان علي �أن �أدفع ثمن هذه‬ ‫‪6‬‬ ‫الرجعية الفكرية ‪ ،‬قمت من حيث ال �أدري بتن�صيب نف�سي رقيب ًا على ما‬ ‫�أكتب يف هذا الكتاب ‪ ،‬بعك�س ما كنت �أكتبه بحرية كاملة يف مدونتي ‪.‬‬ ‫حاولت يف هذا الكتاب قدر امل�ستطاع �أن �أكتب ر�أيي وفكرتي حول كل‬ ‫جتربة �أو م�شاهدة ‪ ،‬لئال يتحول الكتاب �إىل تفا�صيل مملة ملواقف عادية‪،‬‬ ‫و�أذه��ب �أحيان ًا بني ال�سطور �إىل ذكر بع�ض املقارنات لتتجلى ال�صورة‬ ‫ب�شكل �أو�ضح ‪.‬‬ ‫وما بني ال�صفحة الأوىل والأخ�يرة من هذا الكتاب جتارب �سنتني‬ ‫و�أفكار عقدين من الزمن جمعتها يف �أقل من ‪� 100‬صفحة قد ي�ستع�صي‬ ‫بع�ضها على حبة البنادول ب�سبب ت�أثري الثقافة ال�سائدة ‪ ،‬فيما قد يفتح‬ ‫بع�ضها �آفاق ًا من التفكري واملراجعة والنقد ‪ ،‬وهذا ما ابتغيته منذ �أول‬ ‫حرف �إلكرتوين كتبته قبل �أن يتحول بقدرة حرب �إىل حرف مكتوب‪.‬‬ ‫يا�سني حمد ال�صاحلي‬ ‫‪ 11‬نوفمرب ‪2009‬م‬ ‫لندن ‪� ،‬إجنلرتا‬ ‫‪7‬‬ ‫لأول مرة ‪� .‬إىل لندن!‬ ‫ما �أكرث �أحالمي ‪ ،‬وما �أقلها حتقيق ًا ‪ ،‬لكنني اليوم واثق من �أن حلمي‬ ‫بلقاء لندن �سيتحقق ‪ ،‬ففي يوم رم�ضاين �أق�ضي حلظاته الأخ�يرة يف‬ ‫مدينة جدة متجه ًا نحو مطارها يقرتب لقاء لندن �أكرث ف�أكرث ‪ ،‬ال تظنوا‬ ‫�أنني التقيتها �سابق ًا حتى �أ�شتاق للقائها الآن ‪ ،‬ال‪ ..‬لكنني كنت �أقر�أ عنها‬ ‫الكثري والكثري ‪ ،‬وكنت �أقر�أ وجهها ومعاملها التي دائم ًا ما ير�سمها �سفرينا‬ ‫الق�صيبي الذي كانت له ق�صة �أخرى معها ‪ ،‬مل يبق على لقاء لندن �إال‬ ‫قبلة يف جبني �أبي �أقطع بها عالقتي بوطني ل�شهور عدة ‪ ،‬مل يفارقني‬ ‫اجلو الرم�ضاين الذي يتلب�س الأر�ض واجلواء مع ًا ‪ ،‬مل يفارقني �إال حينما‬ ‫�أطلت طائرتنا الوطنية بر�أ�سها على �أجواء لندن‪ ،‬يا للروعة! �أهذه لندن؟!‬ ‫تطاولت قلي ًال لأرى نهر التاميز يحت�ضن القوارب بقرب �ساعة "البيق‬ ‫بني" ال�شهرية التي كان ي�سمع رنتها ال�شهرية جدي الأ�سبق ‪ ،‬ال �أظن �أن‬ ‫�أحد ًا مل ي�سمع رنة �صوت جر�سها الذي دائم ًا ما يرتبط بخرب قادم قد‬ ‫يكون مذه ًال حد اخلوف من احلرب �أو خمرب ًا بقرار �أممي دويل !‪.‬‬ ‫هبطنا مطار"هيرثو" ال��دويل وال��ذي رغ��م ب�ساطته يحوي جميع‬ ‫اخلدمات ال�ضرورية فيه ‪ ،‬ورغم زحامه ال�شديد مل �أمكث فيه �أكرث من‬ ‫‪9‬‬ ‫ن�صف �ساعة �شملت �إنهاء جميع �إجراءاتي املتعلقة بدخويل �إىل بريطانيا‪،‬‬ ‫خرجت من املطار يف �سباق مع غروب ال�شم�س التي مل ت�سعفني ب�ضوئها‬ ‫يف ر�ؤي��ة معامل لندن ‪ ،‬و�صلت للفندق املحدد ب�سهولة كبرية عرب با�ص‬ ‫واحد ‪ ،‬كنت مرهق ًا ج ّد ًا ‪ ،‬لذا كان النوم هو اخليار الأول يف ليلة لندنية‬ ‫مل �أ�ستمتع فيها بن�شوة اللقاء الأول ‪.‬‬ ‫ن�سيت �أن�ن��ي جئت لبعثة درا�سية لدرا�سة مرحلة املاج�ستري يف‬ ‫تخ�ص�ص احلا�سب الآيل ‪ ،‬وبالكاد تذكرت ترتيب �أوراقي التي اختزنتها‬ ‫حقيبتي الكبرية مع رائحة �أمي من قريتي املن�سية ‪� ،‬صحوت يف ال�صباح‬ ‫الباكر الذي كان �أول �صباح �أ�ستيقظه يف لندن ‪ ،‬تعجبت من قدم املباين‬ ‫وجمال الت�صميم وقوة التنظيم خا�صة عندما �أخربتنا موظفة الفندق �أن‬ ‫البا�ص قد ي�أتي بعد �أقل من ثالث دقائق ‪ ،‬ثالث دقائق ؟! مل �أتعود على‬ ‫هذا الرقم ف�أنا �أح�سب دائم ًا مب�ضاعفات الدقائق اخلم�س �إن مل يكن‬ ‫الع�شر و�أحيان ًا متام ال�ساعة ‪.‬‬ ‫و�صلت للملحقية الثقافية ال�سعودية يف لندن التي حولت كل جهودها‬ ‫للنواحي الأكادميية والدرا�سية فيما بقي م�سمى "الثقافية" كلمة يتيمة‬ ‫يف عا�صمة الثقافة ‪ ،‬دخلت فيما بعد �أكرث من متحف ومعر�ض مل �أجد‬ ‫لهذه امللحقية من �إجناز ثقايف ي�ستحق حملها لهذه الكلمة اليتيمة ‪ ،‬لكنني‬ ‫بعد �أن �أنهيت كامل �إجراءاتي ب�سرعة ن�سيت الثقافة و�شجونها وجتاهلت‬ ‫التنظري من �أجل �إن�صافها ‪.‬‬ ‫بعد خروجي من املعامالت الر�سمية التي �أكرهها دائم ًا قفز �إىل‬ ‫‪10‬‬ ‫ذهني �أول مكان �أزوره يف لندن ‪" ،‬الهايد بارك" تلك احلديقة اجلميلة‬ ‫الهادئة احلاملة التي احت�ضنت حرية الكلمة يف �أحد �أركانها حني خ�ص�صت‬ ‫خا�ص ًا للمتحدثني بحرية كاملة ‪� ،‬أخذت جولة فيها‪� ،‬شاهدت فيها‬ ‫ركن ًا ّ‬ ‫�أنا�س ًا يتجولون فيها بكامل حريتهم دون انتهاك خل�صو�صيتهم بن�شرة‬ ‫دعوية �أو مت�سول يطلب ماالً‪ ،‬كان البع�ض ي�ضحك بارتياح دون �أن يكون‬ ‫هنالك حتذير فيما �آخرون يقر�ؤون على �ضفاف البحرية التي كانت تتميز‬ ‫بنظافة كبرية ‪ ،‬مل �أكن �أ�صدق و�أنا الذي كنت �أجتول بخوف على �شواطئ‬ ‫ال�ساحلني ال�شرقي والغربي اللذين مل ي�سلما من ت�شويه متعمد من �سائح‬ ‫عربي �أو مواطن حملي ‪.‬‬ ‫كانت الهايد بارك ت�ضج بال�سياح وكانت حماطة بالبا�صات احلمراء‬ ‫ال�شهرية و�سيارات الأج��رة ال�سوداء حتيط بها من كل مكان ‪ ،‬حينها‬ ‫اكتملت ال�صورة النموذجية للندن ‪� ،‬شاهدت غ��روب ال�شم�س يف هذه‬ ‫احلديقة التي مل �أ�س�أم منها �إطالق ًا ‪ ،‬و�أكملت فرتة ما بعد الغروب يف‬ ‫�شارع "�إدجوار روود" �أو �شارع العرب كما يحب �أن يطلق عليه بنو يعرب ‪،‬‬ ‫عدت بعدها حليث كنت قبل يوم ‪ ،‬كانت الفو�ضى تعم ال�شارع حتى كنت‬ ‫�إخال البلدية تعطي هذا ال�شارع �ضعف ما تعطيه لغريه ‪ ،‬لكنها لندن حني‬ ‫متنح لكل ثقافة م�ساحتها ‪ ،‬لكن هذا ال�شارع مل يخل من ح�سناته التي‬ ‫جتلت يف خلق �صورة رم�ضانية افتقدتها من �أول يوم فارقت فيه رم�ضان ‪،‬‬ ‫كانت معامل رم�ضان حا�ضرة على جنبات هذا ال�شارع لو مل يعكرها بع�ض‬ ‫املارة العرب ب�سلوكياتهم التي تف�سد الأجواء مبا حوت ‪.‬‬ ‫‪11‬‬ ‫ق�صتي مع �صديقي توم !‬ ‫ولأنه يرف�ض دائم ًا �أن �أعتربه مدر�س ًا يل ‪ ،‬كان دائم ًا ما يرتجاين �أن‬ ‫�أعتربه �صديق ًا ال غري ‪" ،‬توم" هو �أحد الذين تعلمت على �أيديهم يف معهد‬ ‫اللغة الإجنليزية يف مدينة "نوريج" ‪ ،‬ورغم �أنه كان يعرتف ب�إحلاده �إال �أنه‬ ‫كان يعاملني بطيبة ال حدود لها رغم احتدام النقا�ش بيننا حتى يف داخل‬ ‫الف�صل الدرا�سي‪ ،‬تعلمت من "توم" ال�شيء الكثري خارج حميط مادته‬ ‫الدرا�سية ‪ ،‬وقد يكون الإجنليزي الوحيد الذي و�ضعني يف �ساحة احلوار‬ ‫باجتاهاتها املختلفة واملجهولة ‪ ،‬كانت حما�ضرته �شيقة لأبعد احلدود ‪،‬‬ ‫كان يفر�ض علينا تقبل ر�أي معني خالل مناق�شاتنا يف الف�صل الدرا�سي‬ ‫ثم بعد ذلك يطلب منا معار�ضته و�إعادة النقا�ش ليتعود الواحد منا على‬ ‫قراءة فكر ال�شخ�ص الآخر ‪ ،‬كان هذا ديدنه يف �أكرث حما�ضراته حتى بت‬ ‫ال �أت�سرع باحلكم على �أي موقف �أو �شخ�صية بر�أيها لأنني �أ�صبحت �أ�ضع‬ ‫نف�سي يف ذات املوقف و�أخترب ردة فعلي ‪.‬‬ ‫يف حما�ضرة درا�سية ‪ ،‬كان مو�ضوع الدر�س عن االعتقادات الدينية‪،‬‬ ‫وتعمقنا ب�شكل �أكرب يف احلوارات التي تدور حول وجود اخلالق عز وجل‪،‬‬ ‫قرر مدر�سي توم �أن يق�سم املجموعة �إىل ق�سمني ‪ ،‬ق�سم يفرت�ض �أن يعتقد‬ ‫‪13‬‬ ‫بوجود اخلالق والآخر عك�س ذلك متام ًا ‪ ،‬وجاء ترتيبي �ضمن من يعتقدون‬ ‫بعدم وجود اخلالق ‪ ،‬وعلى الفور عار�ضت ذلك وطلبت تبديل مو�ضعي‬ ‫لتلك املجموعة التي تعتقد بوجود اخلالق ‪� ،‬أخربين �أن ذلك جمرد حوار‬ ‫لفهم طريقة تفكري الآخر ‪� ،‬إال �أنني رف�ضت متام ًا ‪ ،‬عندها تربع �أحدهم‬ ‫مبكانه يل ‪� ،‬أكملنا حوارنا عن وجود اخلالق وكان ي�ستمع لنا باهتمام‪،‬‬ ‫وبعد نهاية احل��وار طلب من كل واح��د منا �أن يف�صح عن ر�أي��ه الفعلي‬ ‫بخ�صو�ص ذلك‪ ،‬يف نهاية املحا�ضرة اعتذر مني توم �إن كان قد �أخط�أ يف‬ ‫جرح معتقدي فبادرت ب�س�ؤاله عن ر�أيه يف م�س�ألة وجود اخلالق ف�أخربين‬ ‫�أنه ال يعتقد ذلك رغم �أنه يعتقد �أن البعث قد يتم بطريقة �أو ب�أخرى ‪.‬‬ ‫لأول مرة يف حياتي �أ�شهد حوار ًا ي�شارك فيه ر�أي �آخر ولأول مرة �أرى‬ ‫مدر�س ًا يناق�ش طالبه يف �آرائهم ‪ ،‬تعودت دائم ًا �أن ال �أناق�ش �أو �أحتج حتى‬ ‫على موعد اختبار �أو درجة يف اختبار معني ‪ ،‬تعودت �أال �أناق�ش �شيخ قبيلتنا يف‬ ‫رف�ضه ختم ورقة �أو ت�أجيلها لأجل غري م�سمى ‪ ،‬تعودت دائم ًا �أال �أ�س�أل معلمي‬ ‫يف مرحلتي اجلامعية عن حكمه على فكرتي اخلا�صة بي يف بحث �أكادميي ‪،‬‬ ‫غري �أن "توم" ن�سف ذلك كله يف حما�ضرة واحدة ال تتعدى ال�ساعتني ‪.‬‬ ‫�أخربين توم �أنه ي�شعر ب�سعادة كبرية كونه ميار�س مهنة التعليم �أو‬ ‫التدري�س يف ذات الوقت الذي يذهب �إىل اجلامعة طالب ًا يف تخ�ص�ص‬ ‫طرق التعليم ‪� ،‬أخربين �أنه يعتمد على ذاته يف �إجناز كل �شيء يخت�ص‬ ‫بنف�سه ‪ ،‬وهذا ما الحظته �أنا �شخ�ص ّي ًا منذ �أن جئت لربيطانيا ‪.‬‬ ‫وقد قر�أت يف لقاء �صحفي �أن الدكتور غازي الق�صيبي يعتمد على‬ ‫‪14‬‬ ‫ذاته يف �إجناز �أعماله اخلا�صة‪ ،‬ويف مقال للدكتور �سلمان العودة �أو�ضح‬ ‫�أنه يف رحلة ا�سرتخاء مار�س �أعما ًال بنف�سه مثل �إعداد ال�شاي واحلليب‬ ‫وتنظيف الطاولة �أ�شعرته ب�سعادة داخلية ‪ ،‬هذا ما الحظته جل ّي ًا هنا ‪،‬‬ ‫ر�أيت كيف يعتمد الرجل امل�سن على نف�سه يف �شراء �أ�شيائه اخلا�صة من‬ ‫مراكز الت�سوق‪ ،‬وكيف تقوم ربة البيت ب�إعداد كل �شيء يف املنزل بدء ًا من‬ ‫�إعداد كوب من ال�شاي وحتى دهن املنزل وتغيري فرا�شه ‪ ،‬كنت �أ�ستغرب‬ ‫ذلك لأنني كنت متعود ًا على �أن �أكون خمدوم ًا حتى يف �شربي لك�أ�س من‬ ‫املاء ‪ ،‬رغم �أن والدي على كرب �سنه ما زال يعتمد على نف�سه يف �أغلب‬ ‫�أعماله اخلا�صة ‪.‬‬ ‫ما مييز غالبية ال�شعب الربيطاين هو الن�شاط واالعتماد على النف�س‬ ‫والإتقان يف �أداء العمل ‪ ،‬يف البقالة ال�صغرية التي تتو�سط جامعتي ت�شغل‬ ‫الفرتة ال�صباحية فيها ام��ر�أة م�سنة تعمل بكامل ن�شاطها وحيوتها‬ ‫و�أمانتها يف خدمة العمالء الذين يزدحمون على هذه البقالة ورغم ذلك‬ ‫ال تكاد االبت�سامة تختفي من حمياها رغم الإجهاد ‪ ،‬كم كنت �أغبطها‬ ‫على ن�شاطها رغم كرب �سنها ‪ ،‬مل تعتمد هذه العجوز على �أحد يف ممار�سة‬ ‫حياتها بل اعتمدت على ذاتها يف ت�سيري �أمور حياتها ‪ ،‬كنت �أحلظ �إحدى‬ ‫امل�سنات والتي كانت تعمل يف �أحد املقاهي وكيف كانت تتلهف وتبادر‬ ‫خلدمة �أي عميل ينتظر خدمة ما‪� ،‬أدركت جزء ًا مه ّم ًا من مفهوم ال�سعادة‬ ‫التي يبحث عنها الكثري والتي تتمثل يف الر�ضا عن الذات بغ�ض النظر عن‬ ‫�أية عوامل �أخرى ‪.‬‬ ‫‪15‬‬ ‫مع العائلة الإجنليزية ‪.‬‬ ‫�س�أ�صيبكم بامللل قرائي وقارئاتي الكرام من الرتديد عليكم ب�أنني‬ ‫�أمر بتجارب مثرية يف حياتي التي مل �أ�سافر فيها قط �إال ناحية ال�شرق‪،‬‬ ‫�إىل ماليزيا و�إندوني�سيا والتي مل �أتعلم منها الكثري �سوى قليل من‬ ‫الفو�ضى با�ستثناء ماليزيا التي تنبئ بقدوم مذهل ‪ ،‬جتربتي هنا خمتلفة‬ ‫ج ّد ًا ‪ ،‬حيث جاء املوعد لل�سكن مع عائلة خمتلفة متام ًا عن عائلتي ‪ ،‬قبل‬ ‫يومني كنت �أ�شرب قهوة �أمي و�آكل من خبزها كما يقول حممد دروي�ش‬ ‫واليوم �أنا على موعد لأ�سكن مع عائلة غريبة ‪� ،‬س�آكل �أك ًال خمتلف ًا �ألوانه‬ ‫وطعمه ورمبا رائحته ‪ ،‬تلك كانت �أفكاري قبل �أن يقطعها �سائق التك�سي‬ ‫حني �أخربين بو�صويل ملنزل العائلة ‪ ،‬ا�ستقبلتني عجوز علي باب منزلها‬ ‫بابت�سامة جماملة تقليدية ا�ست�شففت منها �ضرورة تقدميها لكل زائر لها ‪،‬‬ ‫�أنزلت حقيبتي فيما ودعني ال�سائق و�أنا غري م�صدق نف�سي ب�أنني �س�أبيت‬ ‫هذه الليلة وما بعدها من ليالٍ مع هذه العائلة ‪ ،‬كانت العجوز متمر�سة‬ ‫مع مثل حاالتي ‪ ،‬ا�ستقبلتني يف �صالة اال�ستقبال وفاج�أتني مبعرفتها عن‬ ‫ثقافة ال�شرق الأو�سط كونها ا�ستقبلت قبلي الكثري من الطالب القادمني‬ ‫من ال�شرق الأو�سط ‪.‬‬ ‫اكت�سبت الكثري من التجارب خالل حياتي مع العائلة الإجنليزية‪،‬‬ ‫‪17‬‬ ‫لي�س �أول�ه��ا االعتماد على ال��ذات وال �آخ��ره��ا االل�ت��زام باملوعد ‪ ،‬كانت‬ ‫العجوز الإجنليزية يف �أوج طيبتها معي ‪ ،‬لكنها كانت ال تغفر �أي خط�أ‬ ‫مني ‪ ،‬وكانت �أخطائي بالن�سبة لها الت�أخر عن موعد الع�شاء �أو �إزعاجها‬ ‫مبكاملات "تايل الليل" ‪ ،‬ومل يكن العقاب �سوى ع�شاء بارد �أو تذمر من‬ ‫مكاملاتي التلفونية ‪.‬‬ ‫كثري ًا ما ت�س�ألني "كارول" ‪ ،‬وهو ا�سم العجوز الإجنليزية ‪ ،‬كثري ًا‬ ‫ما ت�س�ألني عن ثقافتنا ‪ ،‬عن مرا�سم الزواج وعن الأعياد ‪ ،‬عن حياتنا‬ ‫االجتماعية ‪ ،‬كانت كثري من �إجاباتي تثري ده�شتها ‪ ،‬مل �أ�شعر باحلرج من‬ ‫الإجابة على ت�سا�ؤالتها �إال حني عر�ضت قناة البي بي �سي ت�سجي ًال لأحد‬ ‫اخلاطفني جلندي بريطاين كان يعمل يف العراق وبدا حينها بزي �شرق‬ ‫�أو�سطي ‪� ،‬س�ألتني عن �سلوك ه�ؤالء‪� ،‬أخربتها ب�أنها حالة �شاذة تقابلها‬ ‫احلالة ال�شاذة لهذا اجلندي الربيطاين الذي قدم لغزوهم ‪.‬‬ ‫متحو ه��ذه العجوز يوم ًا بعد ي��وم و�صايا التحذير والتهويل من‬ ‫خمالطتهم ‪ ،‬بل �أ�صبحت �أخاف عليها من خمالطة من �سي�ؤثر عليها �سلب ًا‬ ‫ب�سلوكيات الفو�ضى ‪ ،‬ال �أن�سى �إذ �أن�سى حني �أيقظتني يف يوم �إجازة خا�صة‬ ‫وافقت يوم جمعة ‪� ،‬أيقظتني ملوعدي الذي �أخربتها �أنني �أق�ضيه كل يوم‬ ‫جمعة يف م�سجد بو�سط املدينة ‪.‬‬ ‫كان البيت الذي �أ�سكن فيه �أ�شبه بناد ثقايف كبري ‪ ،‬ففي كل �أ�سبوع‬ ‫�أو �أ�سبوعني ي�أتي طالب من دولة �أوروبية �أو �آ�سوية ليق�ضي ما بني ب�ضعة‬ ‫�أ�سابيع �إىل �شهور ‪ ،‬كنت �أ�سعد بتكوين عالقات معهم ‪ ،‬ومن هذه العالقات‬ ‫‪18‬‬ ‫عالقتي ب�صديقي "فابيان" الأملاين اجلن�سية الذي جاء �إيل ب�أغنية بلهجة‬ ‫مغربية كان يقول �إنها �أعجبته ‪ ،‬ا�ستمعت �إليها و�شعرت باحلرج الكبري‬ ‫كوين مل �أفهم كلماتها ‪ ،‬حينها �صدمني بال�س�ؤال ‪� :‬ألي�ست لغة عربية ؟!‪،‬‬ ‫تذكرت على الفور جدال �أحد �أ�صدقائي ملدر�سته الإجنليزية عن �سبب‬ ‫تنوعهم اللغوي !‪.‬‬ ‫�أهداين "فابيان" مقطوعات مو�سيقية ملو�سيقارين عامليني وطلب‬ ‫مني باملقابل مقطوعات مو�سيقية عربية ‪� ،‬أح�س�ست �أنه يريد �إحراجي‪� ،‬إال‬ ‫�أنني الحظت جديته يف ذلك ‪ ،‬مل �أجد يف حقيبتي ما �أهديه له ‪� ،‬أخربته‬ ‫ب�أن تراثنا املو�سيقي مكتوب فقط يف "كتاب املو�سيقا الكبري"‪.‬‬ ‫‪19‬‬ ‫تغريت ً‬ ‫بعد �سنة كاملة ‪ .‬هل ُ‬ ‫فعال ؟!‬ ‫التغيري ‪ ..‬كلمة ومفهوم راف�ق��ت �أك�ثر مارافقت خ�لال العامني‬ ‫ال�سابقني الدكتور �سلمان العودة ‪ ،‬فما �أن يديل بر�أيه "املختلف" يف‬ ‫م�س�ألة ما حتى يعلق املعلقون بتغريه‪ ،‬ورغم �أنه قال يف �إحدى احللقات يف‬ ‫برناجمه ال�شهري "حجر الزاوية" �إنه تغري بالفعل و�إن تغريه كان �إيجاب ّياً‪،‬‬ ‫�إال �أن هنالك �أ�شخا�ص ًا ماهرين يف �صياغة الت�شدد ب�أ�سئلته و�أجوبته التي‬ ‫حتيل احلقيقة �إىل معادلة ريا�ضية ال تقبل �إال رقم ًا واحد ًا هو الت�شدد �أو‬ ‫"التحوط" ‪ ،‬يف هذا ال�شهر – �أكتوبر ‪� -2008‬أكملت �سنة كاملة ق�ضيتها‬ ‫يف مرحلة تعلم اللغة الإجنليزية وحينما رجعت �إىل بلدتي �ساءلت نف�سي‪:‬‬ ‫هل تغريت بعد �سنة كاملة ق�ضيتها بني "الكفار" ؟‪.‬‬ ‫خ�لال ع��ام عرفت معنى امل�ساواة ‪ ،‬ت�أملت كيف يحظى اجلميع‬ ‫بذات املعاملة فيما ذاكرتي تذكرين بابن مدر�سنا يف املرحلة االبتدائية‬ ‫الذي كان يخرتق – ب�إيعاز من �أبيه‪ -‬الطابور �أمام املق�صف املدر�سي يف‬ ‫قريتي ليتناول ن�صيبه من �ساندوت�ش وع�صري ‪ ،‬تذكرت ابن ذلك الدكتور‬ ‫املحا�ضر يف جامعتنا الذي كان يحظى مبعاملة فريدة من �أ�ساتذة تعلموا‬ ‫يف جامعات الغرب ‪ ،‬كنت �أعتقد �أن كل ذلك كان �أمر ًا م�شروع ًا كما كان‬ ‫‪21‬‬ ‫يخيل لنا ‪ ،‬تذكرت ذلك الرجل امل�سكني الذي فرقوا بينه وبني زوجته‬ ‫لأ�سباب عن�صرية تكر�س التمييز ‪ ،‬تذكرتهم وتذكرت من يبحث لهم‬ ‫يف الرتاث عن ما يثبت لهم �شرعية ذلك ‪ ،‬لكن ذاكرتي حفظت �صورة‬ ‫�إيجابية ملدر�سنا الإجنليزي الذي كان يقف يف ذات الطابور الذي وقفت‬ ‫فيه من �أجل كوب من القهوة الأمريكية املرة ومل يتجاوز �أحد ًا من طالبه‪،‬‬ ‫ر�أيت هنا الطوابري ال تُخرتق من �أي �أحد كان وال يقطع �أحد كالمي مع‬ ‫مديرة معهدنا حتى لو كان املالك القانوين لذات املعهد ‪ ،‬كان ذلك �أول‬ ‫تغيري يف مفهومي للم�ساواة ‪.‬‬ ‫ال �أن�سى �إن ن�سيت حينما كان مدر�سنا يهددنا من مناداة �أحد من‬ ‫زمالئه املدر�سني بغري لقبه "�أ�ستاذ" وتقبلت ذلك رغم التزامي �سابق ًا‬ ‫بهذا الأمر بغري احلاجة للوعد والوعيد ‪ ،‬لكن معلمي الإجنليزي والذي‬ ‫ط��وع ل�ساين للغة العلم رف�ض �أن نناديه ب��أي لقب ومل يقل ذل��ك بغية‬ ‫التوا�ضع امل�صطنع ‪ ،‬بل كان جا ّد ًا يف ذلك ب�أنه ال يهتم �أ�ص ًال ب�أي لقب‬ ‫فاجلميع يعرفه با�سمه الذي �سمي به ‪ ،‬تغري حينها مفهومي للتوا�ضع‬ ‫ال�صادق وقيمته احلقيقية والثقة بالنف�س ‪.‬‬ ‫�أو�صاين مدر�سي للفقه والتف�سري �أن حياة الغرب حياة حيوانية ال‬ ‫ي�ضبطها �ضابط ‪ ،‬فهم ينامون وقتما �شا�ؤوا وي�ستلذون �أينما وحينما �شا�ؤوا‪،‬‬ ‫�أو�شكت على االقتناع مبا قال لوال �أنه قال ‪" :‬ولنا الف�ضل يف ح�ضارتهم"‪،‬‬ ‫لكنني تفاج�أت بالعك�س متام ًا وحتديد ًا حينما �سكنت مع عجوز �إجنليزية‬ ‫مل تن�س ذات يوم �أن توقظني يف �ضحوة يوم جمعة لتذكرين بال�صالة‬ ‫‪22‬‬ ‫رغم �أنه وافق يوم �إجازة عامة لها ‪ ،‬كنت �أحلظها يف نظامها يف اخلروج‬ ‫والدخول يف املنام واال�ستيقاظ ‪ ،‬كنت �أطلب منها �أن ت�ؤجل وجبة الع�شاء‬ ‫حتى بعد الغروب يف فرتة ال�صيف �إال �أنها كانت تعتذر ب�أن ذلك كان‬ ‫موعد ًا مل يتغري منذ �سنوات وال يتغري بحلول ال�صيف �أو ال�شتاء ‪ ،‬ر�أيت‬ ‫كيف �أن معلمنا الذي كان يت�سلم مهام الن�شاط االجتماعي ال يت�أخر دقيقة‬ ‫عن موعد التجمع فيما مينحنا دقائق قليلة ج ّد ًا لنغادر مكان التجمع ‪،‬‬ ‫كانت مدر�ستي ال تغادر املعهد قبل انتهاء ال��دوام حتى لو �أنهت جميع‬ ‫حما�ضراتها ‪ ،‬فيما متثل �صالة الظهر يف دوائرنا احلكومية وقت ًا نهائ ّي ًا‬ ‫لليوم الوظيفي لبع�ض املوظفني ‪ ،‬الحظت �أن لدى ه�ؤالء القوم وقت ًا للعمل‬ ‫واالن�ضباط ال يخلفونه �أبد ًا فيما ي�ستمتعون ب�إجازة نهاية اال�سبوع كوقت‬ ‫خم�ص�ص للمتعة والنزهة والرتفيه ‪ ،‬مل �أحلظ ما حدثني به معلم املواد‬ ‫الدينية ‪ ،‬بل تبني العك�س ‪ ..‬فقد واجهنا املتاعب حتى تعودنا على حياة‬ ‫النظام واالن�ضباط و�إن كنا نحنّ �إىل ما�ضينا ومنار�سه يف معامالتنا مع‬ ‫امللحقية الثقافية بلندن ‪ .‬هذه التجربة مثلت تغري ًا مه ّم ًا يف قناعاتي لكني‬ ‫مل �أغري بعد قناعات مدر�سي القدير يف املرحلة الثانوية ‪.‬‬ ‫�أما العمل وقيمه فقد �صدمتني برقيها ‪ ،‬مل �أر من ي�صنف الأعمال‬ ‫والوظائف �إىل "دونية" و�شريفة ‪ ،‬كنت �أ�صحو يف ال�صباح الباكر لأرى‬ ‫عامل النظافة من �سكان ذات البلد مبالحمه الإجنليزية يف ذات اليوم‬ ‫الذي �أتعامل فيه مع موظف بريطاين يف بنك بريطاين كبري ‪� ،‬أ�صدقكم‬ ‫القول �أنني ر�أي��ت هنا تطبيق ًا عمل ّي ًا ملبادئ نظرية در�ستها يف مناهج‬ ‫‪23‬‬ ‫االبتدائية ‪ ،‬فيما يعاين وزير العمل ال�سعودي من هجوم مركز تنق�صه‬ ‫القيم يف احلد من ن�شر الثقافة املهنية ‪ ،‬هاجموه لأنه قال يف م�ؤمتر وطني‬ ‫�إن النجارة واحلدادة والرعي لي�ست وظائف "دونية" يف نظر الإ�سالم‪،‬‬ ‫وهاجموه بانتظام حينما لب�س قبعة الطاهي ليو�صل ر�سالة ب�أن العمل و�إن‬ ‫كان قليل الدخل لكنه عظيم املبد�أ ‪.‬‬ ‫غري �أن التغيري مل يطَ ل قيمي ومبادئي التي تعلمتها من �أبي و�أمي‬ ‫وجدتي والتي فاقت ب�أ�ضعاف ما تعلمته يف مدر�ستي ‪ ،‬مل تغري حياة الغرب‬ ‫قناعتي يف �أن العمل وم�شاغل احلياة ال ميكن �أن تكون عائق ًا عن �صلة‬ ‫الرحم وعن تقوية العالقات االجتماعية دون نفاق اجتماعي �أو جمامالت‬ ‫�سخيفة تذهب املعروف ‪ ،‬مل ي�ستطع الغرب �أن يغري قناعتي يف تهذيب‬ ‫الروح بالإميان والعبادة التي ال يتدخل فيها �أحد وال يكون فيها بيني وبني‬ ‫ربي و�سيط من الب�شر يح�سب يل احل�سنات ويكتب يل ال�سيئات ‪ ،‬مل يثنني‬ ‫الغرب عن �أن �أفكر و�أفكر دون قيود من تقاليد �أو تراث �أو احتكار من �أحد‬ ‫للحقيقة حتى �أمتلك حق البقاء يف هذا الكون ‪.‬‬ ‫‪24‬‬ ‫ق راءة يف وجه لندن‬ ‫وم��ع االع�ت��ذار ل�سفرينا ال�سابق يف لندن غ��ازي الق�صيبي فهذا‬ ‫العنوان هو بال�ضبط عنوان لديوان �شعري له ‪ ،‬يف كل مرة �أزور فيها لندن‬ ‫�أتعرف على وجه لها ‪� ،‬أحيان ًا يحمل الك�آبة والب�ؤ�س والفقر ‪ ،‬و�أحيان ًا يحمل‬ ‫التحدي ‪ ،‬و�أخرى يحمل مالمح ال�سعادة واالبت�سامة ويف كثري من الأحيان‬ ‫يحمل احلرية ‪.‬‬ ‫يغلب على مالمح لندن العراقة قبل املعا�صرة ‪ ،‬ما ت��زال القالع‬ ‫والق�صور واملمرات العتيقة كما هي دون تغيري‪ ،‬لذا لي�س من العجب �أن‬ ‫�أقر�أ �أرقام القرن اخلام�س ع�شر على �أحد مبانيها ‪ ،‬ومل �أ�ستغرب كثري ًا‬ ‫حني عرفت �أن بنك �إجنلرتا املركزي ت�أ�س�س عام ‪1696‬م وكان وقتها‬ ‫يحدد ن�سبة لأ�سعار الفائدة !‪.‬‬ ‫ويحمل وجه لندن مالمح الثقافة واملعرفة الإن�سانية وهو الوجه الذي‬ ‫كثري ًا ما يجذبني �إليها ويجعلني �أقبلها مرار ًا وتكرار ًا دون ملل ‪ ،‬دائم ًا ما‬ ‫�أحزم حقيبتي ال�صغرية والتي ال حتمل �سوى تذكرة قطار وخريطة لها ‪،‬‬ ‫�أحب هذا الوجه كثري ًا بعرو�ضها الثقافية وامل�سرحية حتى لتجد العرو�ض‬ ‫البهلوانية والغريبة و�أخرى ثقافية على �ضفة نهر التاميز وحتى بالقرب‬ ‫‪25‬‬ ‫من مبنى الربملان العتيق ‪� ،‬أما متاحفها فهي مفتوحة للجميع دون ر�سوم ‪،‬‬ ‫وكل متحف ي�ستحق زيارة يوم كامل ‪ ،‬يف متاحف لندن توجد �أقدم النقو�ش‬ ‫وتفا�صيل التاريخ وق�صة احل�ضارة ‪ ،‬يف زيارتي ملتحف العلوم �أده�شتني‬ ‫املعرفة الإن�سانية بقدمها ‪ ،‬مل �أكن �أتخيل �شكل احلا�سوب كما �شاهدته‬ ‫والذي كان عبارة عن ماكينة ت�شبه مكائن خرط احلديد ‪ ،‬يف املتحف‬ ‫الربيطاين �شاهدت احل�ضارات الإن�سانية حتت �سقف واحد وك�أنها ما‬ ‫تزال تتناف�س ‪ ،‬ما �أثار ا�ستغرابي هو الق�سم املخ�ص�ص للح�ضارة العربية‬ ‫الإ�سالمية والتي ن�سبت للح�ضارة الفار�سية ‪ ،‬يف ذات املتحف �أبهرتني‬ ‫قبور الفراعنة ونقو�شهم ‪ ،‬ومنحوتات اليونان ‪ ،‬و�أعمدة الرومان‪.‬‬ ‫ويعك�س وجه لندن مظاهر الأر�ستقراطية والرثاء الفاح�ش يف حي‬ ‫املايفري �أو من خالل البور�صة العاملية وال�شركات اال�ستثمارية يف مركز‬ ‫لندن الذي ال يوجد فيه مظاهر للحياة بعد انتهاء الدوام اليومي ‪.‬‬ ‫وهناك وجه لندن البائ�س حيث الفقراء وامل�شردون ال م��أوى لهم‬ ‫�سوى �أر�صفة ال�شوارع ‪ ،‬فهنالك اجلرائم يف الأحياء املظلمة وال�سرقات‬ ‫يف ال�شوارع املهجورة واملخدرات يف الأماكن املهجورة ‪.‬‬ ‫�أم��ا وجهها املت�سامح فهو الوجه امل�ألوف ‪ ،‬لندن املت�ساحمة التي‬ ‫تخ�ص�ص يوم ًا �أ�سبوع ّي ًا ركن ًا �آمن ًا يف حديقتها ال�شهرية "الهايد بارك"‬ ‫ملن �أراد �أن ي�صرخ بحرية �أو يناق�ش بهدوء ‪ ،‬ذهبت لهذا الركن املثري‪،‬‬ ‫ر�أيت كيف ي�صرخ البع�ض وكيف بناق�ش البع�ض بهدوء ‪ ،‬ر�أيت كيف يهتم‬ ‫اجلميع مبو�ضوعات �سيا�سية ودينية وثقافية با�ستثاء العرب الذين دائم ًا‬ ‫‪26‬‬ ‫ما يثريهم "حممود" ب�آرائه ال�سطحية و�صراخه الذي يلفت اجلميع‪،‬‬ ‫�أيقنت �أن احلرية وحدها غري كافية لبني يعرب ‪ ،‬كنت �ألتفت لأرى‬ ‫اجلميع يتناق�ش بهدوء عن عي�سى عليه ال�سالم ‪ ،‬عن احل�ضارة الأمريكية‪،‬‬ ‫عن حقوق الإن�سان ‪ ،‬فيما العرب املوجودون ي�ستفرغون قامو�س ال�شتائم‬ ‫ب�أ�سلوب منحط ‪ ،‬لكنها لندن‪ ..‬مل تعرت�ض ‪.‬‬ ‫وكما يقول �ساكنها خم�س عمره غازي الق�صيبي ‪ ،‬ف�إن لندن ال تعرف‬ ‫�أحد ًا ‪ ،‬ال ميكن �أن تفرح با�ستقبال �أحد �أو حتزن لفراق �أحد ‪ ،‬يقول يف‬ ‫مقاله باي باي لندن‪:‬‬ ‫" �إذا نبغ �إن�سان يف لندن‪ ،‬عرفت الدنيا كلها بنبوغه‪ ،‬ولكن متى‬ ‫ينبغ �أح��د يف لندن؟ بني �آالف املعار�ض التي تعج بع�شرات الآالف من‬ ‫اللوحات الفنية الرائعة‪ ،‬كيف ميكن �أن تظهر موهبة �شابة؟ بني مئات‬ ‫املحا�ضرات التي تلقى كل �ساعة يف قلب العا�صمة وحدها‪ ،‬من �سيالحظ‬ ‫هذا املحا�ضر �أو ذاك؟ بني مئات ال�سا�سة الذين يتدفقون على «هيرثو» كل‬ ‫�صباح‪ ،‬من �سيالحظ �أن رئي�س جمهورية و�صل �أو �أن رئي�س وزراء �سافر؟‬ ‫يا ل�سذاجة الزائر ـ كائن ًا من كان ـ حني يتوقع �أن يلقى معاملة خا�صة من‬ ‫لندن التي ت�ضن باملعاملة اخلا�صة على نف�سها "(‪.)1‬‬ ‫هذه لندن ‪ ..‬ال ميكن لكلمات �أن ت�صف حتى وجه ًا واحد ًا لها ‪ ،‬وال‬ ‫ميكن لأحد �أن يقر�أ وجهها ‪ ،‬هي كذلك و�أعتقد �أنها �ستبقى كذلك طاملا‬ ‫بقيت التواريخ القدمية يف �أعلى ق�صورها وطاملا بقي املتحدثون يف ركن‬ ‫حديقتها ‪.‬‬ ‫‪ -1‬غازي بن عبدالرحمن الق�صيبي ‪ ،‬باي باي لندن ومقاالت �أخرى ‪ ،‬مكتبة العبيكان‪،‬‬ ‫الريا�ض ‪.2007 ،‬‬ ‫‪27‬‬ ‫�صدمة ح�ضارية من نوع �آخر‬ ‫ولأنني من قرية من�سية على �ساحل غربي ‪ ،‬ف�إنني كنت متوقع ًا‬ ‫ر�ؤية ناطحات لل�سماء يف و�سط لندن و�أ�ضواء تنقلني من مكان لآخر ‪،‬‬ ‫كنت �أتوقع ر�ؤية كل �شيء ينق�صني يف قريتي "احلبيل" ‪ ،‬كنت �أتوقع �أن‬ ‫احل�ضارة هي �أعمدة الإ�سمنت وحركة الإلكرتون و�شا�شات البالزما يف‬ ‫�أعلى املباين ‪ ،‬كنت �أتوقع �أن ح�ضارة الغرب هي املباين الزجاجية التي‬ ‫�شاهدتها لأول مرة يف مدينة جدة ‪ ،‬كنت �أعتقد �أن قريتي هي الوحيدة‬ ‫التي تعتمد على زراعة "الذرة" وتنتظر ال�سيل �شهور ًا و�شهور ًا ‪.‬‬ ‫لكنني �صدمت قلي ًال منذ �أول خطوة يف مطار هيرثو ‪� ،‬أنهينا‬ ‫�إجراءاتنا ب�سهولة كبرية يف مبنى عتيق‪� ،‬أ�صبحت بعد ذلك �أقطع تذكرة‬ ‫نحو و�سط املدينة عرب جهاز �إلكرتوين لأ�صل �إىل املركز يف قطار قدمي‬ ‫على �سكة حديدية منذ منت�صف القرن الثامن ع�شر ‪ ،‬نزلت من القطار‬ ‫ومل �أجد "بنقالدي�ش ّياً" يحمل يل حقيبتي الثقيلة ‪ ،‬ر�أيت اجلميع يعتمدون‬ ‫على �أنف�سهم ‪ ،‬ففعلت مثلما يفعلون ‪ ،‬كانت املحطة تعك�س تفا�صيل قرون‬ ‫م�ضت بقدمها و�أ�صالتها ‪ ،‬كانت تخلو من الرخام الالمع والزجاج ال�ساطع‬ ‫‪29‬‬ ‫وف�سائل النخل لكنها مل تخل �أبد ًا من خدمات مل �أتوقعها بنف�سي‪ ،‬كنت‬ ‫�أجد كل �شيء �أحتاجه ‪ ،‬مل �أ�ستوعب بعد مفهوم النظام ‪.‬‬ ‫بعد �شهور ق�ضيتها يف مدينة نورج �أح�س�ست مبرونة يف حياتي مل‬ ‫�أتعودها فيما �سبق ‪ ،‬كنت �أ�ستلذ ب�إنهاء معاملة يف بنك �أو �إنهاء �إجراء‬ ‫من مركز �شرطة املدينة ‪ ،‬كنت �أنهيها يف �أقل من ع�شر دقائق ‪ ،‬كنت‬ ‫�أجد �أمام باب منزل العائلة ظرف ًا بريد ّي ًا به خطاب يفيد ب�إنهاء كامل‬ ‫معاملتي‪ ،‬كنت �أحلظ �أن وقتي ي�سري ح�سب خطة معينة ‪ ،‬مل �أجتهد لذاك‬ ‫كثري ًا لكنني كنت �أحلظ ذلك عند �إنهائي ملوعد معني ‪ ،‬بد�أت �أ�ستوعب‬ ‫قلي ًال مفهوم النظام الذي هو �أ�سا�س املدنية ‪.‬‬ ‫دائم ًا ما يكرر علي �صديقي ال�سعودي الذي كان يدر�س يف ذات املعهد‬ ‫الذي �أدر�س فيه ‪ ،‬دائم ًا ما يكرر علي ب�أن �شارع ًا يف الريا�ض يفوق �أف�ضل‬ ‫�شارع يف مدينة "نوريج" ‪ ،‬ودائم ًا ما �أخربه ب�أن �أ�سو�أ �شارع يف مدينتنا‬ ‫هذه ال يوجد فيه "حفرة" مزعجة �أو �سائق خمالف �أو قاطع لإ�شارة ‪ ،‬يف‬ ‫�شوارع هذه املدينة جتد لوحات �إلكرتونية تخرب ال�سائق بالعدد املتاح من‬ ‫مواقف ال�سيارات ‪ ،‬يف �شوارع املدينة يعترب نظام املرور نظام ًا �صارم ًا‬ ‫لل�سائقني وهو ما مل �أجده يف �شوارع قرية من�سية �أو عا�صمة كالريا�ض ‪.‬‬ ‫كنت �أ�صحو يف ال�صباح الباكر ف�أجد عامل النظافة الربيطاين‬ ‫اجلن�سية مييز �سلة النفايات اخلا�صة بالزجاج ثم يفرغها يف �سيارة‬ ‫البلدية اخلا�صة ‪ ،‬ويف اليوم التايل �أرى عامل النظافة ي�أخذ �صندوق‬ ‫النفايات اخلا�ص بالأوراق والأطعمة ويفرغه يف ال�سيارة املخ�ص�صة لذا ‪.‬‬ ‫‪30‬‬ ‫بد�أت �أ�ستوعب النظام و�أتعلمه لكنني مل �أمار�سه بعد ‪.‬‬ ‫يف مدينتي ال�صغرية التي �أدر�س فيها مرحلة اللغة تقفل املحالت‬ ‫التجارية �أبوابها بحلول ال�ساعة ال�ساد�سة م�ساء ‪ ،‬ويف ف�صل ال�صيف تكون‬ ‫ال�ساد�سة هي منت�صف وقت الع�صر ‪ ،‬ومع ذلك ال حتيد عن موعدها �سوى‬ ‫�ساعة �أو �أقل ‪ ،‬ا�ضطررت معها �إىل تكييف ذاتي مع هذا الو�ضع ‪ ،‬كنت‬ ‫�أخطط ل�شراء عبوة ماء قبل �شرائها بيوم‪ ،‬كنت �أ�شعر باالنزعاج من هذا‬ ‫الو�ضع بداية الأمر �إال �أن الو�ضع تغري بالن�سبة يل متام ًا حني عرفت �أن‬ ‫وقت الدوام يف البقاالت ال يختلف عنه يف اجلامعات وهو ما يوفر قلي ًال‬ ‫من العدالة بني املوظفني ممن يح�صلون على ذات املميزات ‪ ،‬حينها‬ ‫ا�ستوعبت جيد ًا ما تعنيه مفردة "النظام" فهم ًا وممار�سة‪� ،‬شعرت �أنني‬ ‫�أ�سري وفق نظام معني ت�سهلت معه �أكرث �ش�ؤون حياتي ‪.‬‬ ‫ملمار�سة احلياة بنظام لذة ومتعة رغم ما ي�سبقها من ل�سعات خفيفة‬ ‫�إال �أن الوقوف يف طابور واحد �أمام �أو خلف عميد الكلية يف مقهى الكلية‬ ‫ن�شوة ال تعادلها ن�شوة ‪.‬‬ ‫‪31‬‬ ‫بني قرية ال�ساحل ‪..‬‬ ‫ومدينة الريف الإجنليزي‬ ‫والفارق بينهما جتربة مثرية وثقافية تختلف حد التباين ‪ ،‬يف قريتي‬ ‫ال�ساحلية والتي تعرت�ض الوادي بانتظار ال�سيل املتجه للبحر ‪ ،‬يكون الفرح‬ ‫بالقرب من حافة الوادي ويف الهواء الطلق يف باحة مفتوحة ت�ستقبل �أفواج ًا‬ ‫من �أفراد القرية ‪ ،‬تنت�شر �أجواء الفرحة بحرارة اللقاء يف �أرجاء ال�ساحة‬ ‫التي حتيط بها معامل البذخ والتبذير ‪ ،‬ويف املقابل هناك يف و�سط الريف‬ ‫الإجنليزي حيث مدينتي "نوريج" والتي ق�ضيت فيها ما يقرب من ثمانية‬ ‫�أ�شهر قبل �أن �أنتقل ملدينة "لي�سرت" لدرا�سة مرحلة املاج�ستري ‪ ،‬هنالك يف‬ ‫"نوريج" تختلف الأفراح اختالف ًا يتبع ذات الثقافة ‪ ،‬تتم مرا�سم الزواج‬ ‫يف احدى الكنائ�س املغلقة ‪ ،‬وقد يكون يف منزل مغلق دون �أن يكون للمكان‬ ‫املفتوح وجود ‪ ،‬يحتفظ اجلميع بفرحة باردة ت�صيبهم ب�إدمان ال�صمت‪،‬‬ ‫فيما تختفي مظاهر التبذير والبذخ لتحل مكانها مظاهر االعتدال يف‬ ‫الأكل وال�ضيافة ‪.‬‬ ‫يف قريتي ال�صغرية معامل ووجوه ال تتغري ‪ ،‬الكل يعرف الكل ‪ ،‬يندر‬ ‫�أن يحل وجه غريب بال عنوان ‪ ،‬متر �شهور و�شهور قبل �أن يرى والدي وجه‬ ‫غريب يف قريتنا ورمبا حتى يف القرى املجاورة ‪ ،‬تكرث اللقاءات واملنا�سبات‬ ‫‪33‬‬ ‫والزيارات املنزلية ‪ ،‬ما زالت القرية حتتفظ بروابط اجتماعية قوية‬ ‫مقارنة مبدن تخلت عنها �أمام التغريات املت�سارعة جلو املدينة ‪ ،‬وذلك ما‬ ‫ينطبق على مدينتي ال�صغرية "نوريج" والتي ت�ستقبل يوم ّي ًا وجوه ًا جديدة‬ ‫وثقافات عديدة ‪ ،‬ومن النادر �أن ي�صادف ال�شخ�ص وجه ًا �أكرث من مرة‬ ‫يف اليوم يف طرقاتها العتيقة ‪ ،‬فقدت املدينة ا�ستقاللها بدء ًا من حمطة‬ ‫القطار التي تزف يوم ّي ًا �أنا�س ًا �أغراب ًا عن املدينة وانتهاء بجامعتها التي‬ ‫ت�ستقبل وتودع كل �سنة وجوه ًا وثقافات عديدة‪ ،‬يف هذه املدينة وغريها‬ ‫من املدن حتطمت الروابط االجتماعية وحلت مكانها املواعيد ال�سابقة‬ ‫وال�ن��ادرة واملنا�سبات اليتيمة والرتابة يف الأف��راح ‪ ،‬اختفت العائالت‬ ‫املمتدة وحلت مكانها العائلة ال�صغرية ج ّد ًا ‪.‬‬ ‫ا�ستوعبت باملعاي�شة مفهوم القرية واملدينة ‪ ،‬تقرتب القرية كثري ًا‬ ‫من حدود العائلة ‪ ،‬وك�أن ذات القرية هي عائلة كبرية فيما تعترب املدينة‬ ‫حمطة على طريق �سفر دويل ‪ ،‬يف مدينة "نوريج" مل �أ َر وجه ًا �أكرث من‬ ‫مرة يف مركز الت�سوق القريب من منزل العائلة التي �أ�سكن معها‪� ،‬أ�شعر‬ ‫دائم ًا �أنني ن�سخة فريدة �أمام الغري متام ًا كما �أراهم‪ ،‬ا�ست�شعرت الفارق‬ ‫جيد ًا عندما عدت �إىل قريتي يف �إجازة ق�صرية الحظت خاللها الكثري‬ ‫من االختالفات‪.‬‬ ‫�أكرث ما يعجبني يف القرى واملدن الربيطانية �أنها ن�سخة م�صغرة من‬ ‫العا�صمة الربيطانية مع فارق ب�سيط يف احلياة االجتماعية ‪ ،‬تتوفر جميع‬ ‫اخلدمات التعليمية وال�صحية واملعرفية واملوا�صالت فيها متام ًا مثلما هي‬ ‫‪34‬‬ ‫يف العا�صمة ‪ ،‬مل ت�سمح املدن ال�صغرية للعا�صمة باال�ستئثار باخلدمات ‪،‬‬ ‫تبعد مدينة "نوريج" عن العا�صمة لندن م�سافة زمنية تقدر بال�ساعتني‬ ‫�أقطعها يف قطار دقيق املواعيد ثم �أع��ود يف ذات اليوم بكل هدوء بعد‬ ‫�أن �أق�ضي يوم ًا �صاخب ًا ‪.‬‬ ‫لكن قريتي ال�ساحلية ما زالت ت�سافر من �أجل خدمة ت�سكت بها �سكانها‬ ‫الذين تودعهم مع كل رحلة نحو ال�شمال‪ ،‬ال�سفر من قريتي ب�إجتاه ال�شمال‬ ‫يعترب ق�صة بحد ذاته ‪ ،‬تقر�أ قريتي ر�سائل الربيد بعد �أن ي�صيبها الربود‬ ‫ويعد �أن تفقد املظاريف بهجة اال�ستالم فيما ي�سابق رجل الربيد يف "نوريج"‬ ‫�شروق ال�شم�س نحو �أبواب املنازل لئال تفقد الر�سائل الورقية وهجها ‪.‬‬ ‫ما يعيب املدن والقرى الريفية الإجنليزية من وجهة نظر الثقافة‬ ‫ال�شرقية هو خلودها للنوم مبكر ًا يف �إج��ازة نهاية الأ�سبوع ‪ ،‬بعك�س‬ ‫العا�صمة لندن التي تظل بحركتها حتى �شروق ال�شم�س وخا�صة يف �شارع‬ ‫"اجوار روود" الذي ا�ستن�سخ �شوارع املدن العربية مبطاعمها ومقاهيها‪،‬‬ ‫لذلك يعرتيني حنني لهذا ال�شارع بني فينة و�أخ��رى لأتناول ال�شاورما‬ ‫الرتكية وال�شاي املغربي والفو�ضى العربية ‪ ،‬كم �أ�شعر بلذة العروبة حني‬ ‫�أكون بعيد ًا وما �ألذ العروبة حني �أكون عنها بعيداً‪.‬‬ ‫مل تكن تلك الق�صة كاملة ‪ ،‬فما زال هنالك الكثري من االختالف بني‬ ‫قرية �ساحلية ومدينة ريفية ‪ ،‬وللذين يرون �إجحاف املقارنة �أقول لهم ‪ ،‬مل‬ ‫تكن مدينة "نوريج" �سوى ع�شر عا�صمتنا لكنها م�ستعدة للبقاء بخدماتها‬ ‫احلالية ونظامها ال�صارم لعقود قادمة ‪.‬‬ ‫‪35‬‬ ‫تفا�صيل يومي الإجنليزي‬ ‫ت�أخذين التفا�صيل اليومية هنا �إىل متعة حقيقية �أحيان ًا و�إىل كدر‬ ‫�أحيان ًا �أخرى ‪ ،‬يبد�أ يومي الإجنليزي با�ستيقاظ ثقيل ال يختلف كثري ًا عن‬ ‫ال�صباح ال�سعودي والذي �أجاهد فيه نف�سي جهاد ًا ع�سري ًا حتى �أ�ستيقظ‪،‬‬ ‫�أحاول قدر امل�ستطاع �أال �أخ�سر دقيقة واحدة لئال يفوتني با�ص رقم (‪.)9‬‬ ‫و بعد �أن �أكمل جتهيز نف�سي �أن��زل ب�سرعة متجه ًا نحو الثالجة لآخذ‬ ‫"ال�ساندوي�ش" والذي �أعده يف الليلة ال�سابقة ‪�،‬أخربت �أختي فيما بعد‬ ‫�أنني عدت لأيام الطفولة بكل تفا�صيلها با�ستثناء االعتماد على الذات ‪،‬‬ ‫�أجته بعدها نحو موقف البا�ص الذي يقع بقرب البيت مبا�شرة ‪� ،‬أحيان ًا‬ ‫يفوتني البا�ص ف�أ�ضطر النتظار با�ص �آخر مما يكفلني الإعداد العتذار‬ ‫عن الت�أخري‪.‬‬ ‫�أ�صل للمعهد تقريب ًا يف ال�ساعة التا�سعة والن�صف وهو توقيت ال‬ ‫يتغري بتغري الف�صول ‪ ،‬و كما يقول الكاتب علي �سعد املو�سى ‪ :‬ال �أعرف ما‬ ‫الذي ي�ستثنينا من بني دول العامل لنبد�أ الدوام يف ال�صباح الباكر وقبل‬ ‫�أن تفيق الع�صافري يف �أع�شا�شها ؟!‪ .‬ل�ست بحاجة �إىل القول ب�أن م�ستوى‬ ‫"طريقة التعليم" يختلف كثري ًا عن ال�سعودية ‪ ،‬با�ستطاعتنا �أن نطور من‬ ‫‪37‬‬ ‫"طريقة تعليمنا" لي�صل مل�ستواهم �إال �أننا �سن�صدم بعقول حجرية "ن�سبة‬ ‫ل�صالبتها ولي�س لقدمها" تناق�ش ال�شكليات فقط ‪ ،‬يف ف�صلنا الدرا�سي‬ ‫ويف الوقت املخ�ص�ص للنقا�ش ك ٌّل يعرب عن ر�أيه بكامل احلرية وغالب ًا‬ ‫ما يكون ر�أيي خمتلف ًا عن ر�أي مدر�سي الذي يرد علي بابت�سامة ‪� ،‬أما يف‬ ‫ف�صلنا الدرا�سي يف بلدي ف�إن كالم املدر�س خالل ‪ 45‬دقيقة هو حقائق‬ ‫ال تقبل النقا�ش ‪� ،‬أخربت مدر�ستي ب�أن م�ستودعاتنا تختزن من الأجهزة‬ ‫املدر�سية �أكرث مما حتتويه م�ستودعات بريطانيا‪ ،‬و�أن جامعاتنا تبنى على‬ ‫طراز خم�سة جنوم بينما العقول والبحوث غالب ًا ما تكون غري م�صنفة !‪.‬‬ ‫بعد �ساعة ون�صف ال�ساعة وحتديد ًا ال�ساعة احلادية ع�شرة �صباح ًا‬ ‫تبد�أ فرتة الإفطار ‪ ،‬وهي فرتة حمببة لدي �أ�ستغلها يف �إجراء حمادثات‬ ‫مع باقي الطالب من خمتلف دول العامل وكثري ًا ما تدور املحادثات عن‬ ‫العادات والثقافات وتفا�صيل الوطن ‪ ،‬يف م�ساحة �صغرية يجتمع طالب‬ ‫من �أنحاء العامل ليتحدثوا بلغة واح��دة ‪ ،‬وحني �أج��ول بنظري �أرى كل‬ ‫اثنني يتحدثان ب�صوت م�سموع يف نقا�ش عام ‪ ،‬خالل ن�صف ال�ساعة �أكون‬ ‫قد ا�ستفدت الكثري بدء ًا من التعرف على ثقافة جديدة وانتها ًء بتمرين‬ ‫مهارة التحدث لدي ‪� ،‬أحيان ًا �أت�سلل خفية نحو معمل الإنرتنت لأدخل موقع‬ ‫�صحيفة الوطن ال�سعودية لأقر�أ عناوين املقاالت و�أحيان ًا ي�ستهويني الكاتب‬ ‫علي �سعد املو�سى لأقر�أ املقال كام ًال ‪� .‬أعود بعد ذلك لإكمال املحا�ضرة‬ ‫الثانية والتي ت�ستمر �ساعة ون�صف ال�ساعة قبل فرتة الغداء ‪ ،‬بعد ذلك‬ ‫تكون حما�ضرة ما بعد الظهر وغالب ًا ما تكون حما�ضرة خم�ص�صة‬ ‫‪38‬‬ ‫للمحادثة ‪ ،‬ويف هذه املحا�ضرة تقوم بتدري�سنا مدر�سة بريطانية تع�شق‬ ‫ثقافة ال�شرق ‪ ،‬تع�شق رائحة البخور وطعم الكب�سة وكرم العربي ‪ ،‬تفاج�أت‬ ‫�أكرث حينما اكت�شفت �أنها تعرف تفا�صيل احلياة العربية ب�شخ�صياتها‬ ‫ال�شهرية كامللك في�صل رحمه اهلل والوزير �أحمد زكي مياين وزير النفط‬ ‫الأ�سبق ‪� ،‬أخربتني فيما بعد �أن زوجها �سوري ‪ ،‬طلبت ذات م��رة من‬ ‫�صديقي �أن يجلب لها بخور ًا من ال�شرق ‪ ،‬حدثتها ذات مرة �أن التاريخ‬ ‫يحمل بع�ض الت�شوي�ش فيما يخت�ص بق�ضية فل�سطني و�أول من �سكنها ‪،‬‬ ‫فوجدتها تعرف تفا�صيل فل�سطني احلقيقية ‪.‬‬ ‫ينتهي اليوم الدرا�سي الطويل يف ال�ساعة الثالثة والن�صف لأعود‬ ‫بعدها �إىل املنزل و�أحيان ًا �أذهب �إىل "الفورم" �أو املكتبة وهي مكتبة عامة‬ ‫حتوي خدمات كثرية مثل ا�ستعارة الكتب املجانية �أو الأفالم �إ�ضافة �إىل‬ ‫خدمة الإنرتنت والطباعة واال�ستعالمات العامة عن �أي �شيء يخت�ص‬ ‫مبقاطعة "نورفولك" ‪ ،‬وهي ما نفتقده يف حمافظات كثرية يف ال�سعودية‬ ‫‪�.‬أ�صل البيت يف ال�ساعة الرابعة ع�صر ًا حيث �أ�سرتخي قلي ًال �إىل �أن يحني‬ ‫موعد الع�شاء يف متام ال�ساعة ال�ساد�سة والن�صف ‪ ،‬وهي معاناة �أخرى من‬ ‫معانيات الغربة وهي عدم وجود الأكل املنا�سب‪ ،‬فلي�س يف كل مرة يكون‬ ‫الطبق لذيذ ًا غري �أن ربة البيت والتي �أطلق عليها ا�سم "املذر" ذكية ج ّد ًا‬ ‫فهي ال تقوم ب�إعداد الوجبة مرة ثانية �إذا الحظت �أنني مل �أ�ستهلكها ب�شكل‬ ‫جيد ‪ ،‬بعد الع�شاء �أجل�س فرتة من الزمن مع املذر ن�شاهد الأخبار مع ًا‬ ‫ثم م�سل�س ًال �إجنليز ّي ًا ‪� ،‬أثارت �إعجابي اخلدمة التلفزيونية يف بريطانيا ‪،‬‬ ‫‪39‬‬ ‫حيث مت تخ�صي�ص قناة خا�صة لكل مقاطعة تنقل تفا�صيل الأخبار بحيث‬ ‫ال ميكن م�شاهدتها يف مقاطعة �أخرى ‪ ،‬ولذلك جتد الإجنليز يحر�صون‬ ‫على م�شاهدة الأخبار لأنها تنقل لهم الأحداث يف مدينتهم �أو مقاطعتهم‬ ‫وهذا ال�شيء ينطبق على الراديو وال�صحف اليومية ‪ ،‬حينما وقع االعتداء‬ ‫على �أحد زمالئي قامت و�سائل الإعالم هنا بالتفاعل ال�سريع مع الق�ضية‬ ‫و�أبرزتها يف ال�صحف و الإعالم ال�سمعي واملرئي‪ ،‬لكنني �أكون يف موقف‬ ‫ال �أح�سد عليه حينما تبث قناة ‪ BBC‬مقطع ًا لأحد الأ�شخا�ص امللثمني‬ ‫معتق ًال �أحد اجلنود ويهدد بقتله �أمام �شا�شات التلفزة ‪ ،‬حينها ال �أملك‬ ‫�سوى دفع التهمة عني وك�أنني على موعد غد ًا يف املحكمة‪ ،‬من ال�سهل ج ّد ًا‬ ‫�أن ميثل �شخ�ص كهذا ثقافة �أمة ب�أكملها ومن ال�سهل ج ّد ًا �أن يعمم "الآخر"‬ ‫ت�صرفه ذلك ‪ ،‬بعد �أن �أنتهي من م�شاهدة الأخبار وامل�سل�سل التلفزيوين‬ ‫الذي ينقل يل ثقافة الإجنليز‪� ،‬أ�صعد لغرفتي ال�صغرية لأبد�أ املذاكرة التي‬ ‫ا�ست�صعبتها يف بداية الأمر رغم حداثة عهدي باجلامعة ‪ ،‬و�أت�سلل �أحيان ًا‬ ‫�إىل "مواقع" ال�شرق لأتابع امل�ستجدات الفكرية يف "�ساحتنا" والتي ال متل‬ ‫من بعث م�شكلة فكرية ليبد�أ بعدها الت�صنيف والإق�صاء الذي مل �أجده‬ ‫هنا !‬ ‫‪40‬‬ ‫با�ص رقم (‪)9‬‬ ‫عندما و�صلت لأول م��رة �إىل مدينة "نوريج" كنت �أ�ستخدم‬ ‫التاك�سي يف تنقالتي ‪ ،‬غري �أن ربة املنزل التي �أ�سكن معها ن�صحتني‬ ‫بعدم ا�ستخدامه �إال يف حاالت ال�ضرورة ‪ ،‬و�أن علي �أن �أ�ستخدم البا�ص‬ ‫يف تنقالتي كونه �أرخ�ص بكثري وعمل ّي ًا ب�شكل �أكرب ‪ ،‬مل �أقتنع يف بداية‬ ‫الأم��ر لأنني كنت �أح�سبه كبا�ص البلد يف جدة ب�شكله املتهالك والذي‬ ‫يتزاحم فيه النا�س من �أجل احل�صول على مقعد‪ ،‬غري �أنني اكت�شفت‬ ‫عك�س ذلك متام ًا بعد �شرائي لأول تذكرة �أ�سبوعية ابتد�أتها بتوجهي �إىل‬ ‫املركز الإ�سالمي لتناول وجبة الإفطار الرم�ضانية ‪ ،‬مل �أكن �أعرف متى‬ ‫�سيتوقف البا�ص عند املركز الإ�سالمي والذي ال �أعرفه هو الآخر ‪� ،‬أخربت‬ ‫�سائق البا�ص عن ذات املركز و�أخربين ب�أنه مل ي�سمع به لكنه �سيو�صلني‬ ‫للجامعة والتي يوجد بها مركز �إ�سالمي من املمكن �أن ي�ؤدي الغر�ض !‪.‬‬ ‫قبلت ذلك وجل�ست يف مقعدي انتظار ًا لإ�شارة من ال�سائق ‪ ،‬كان اجلميع‬ ‫يدخلون البا�ص ويعر�ضون تذاكرهم بي�سر و�سال�سة دون ت�أخري �أو �إثارة‬ ‫�أية م�شكالت ‪ ،‬وعندما يهم �أحد باخلروج فلي�س عليه �سوى �أن يقرع على‬ ‫�أحد الأجرا�س ليتوقف بعدها البا�ص يف نقطة معينة ‪ ،‬كان البا�ص مير‬ ‫‪41‬‬ ‫بجانب منزيل كل ربع �ساعة ‪� ،‬أخربين البا�ص ب�أين علي �أن �أنزل هنا ‪،‬‬ ‫وقد كان بالفعل املركز الإ�سالمي الذي �أبحث عنه وتناولت فيما بعد وجبة‬ ‫الإفطار الرم�ضانية فيه ‪.‬‬ ‫بعد �أن انتهيت من لقاء الأ�صدقاء يف املركز الإ�سالمي كان علي �أن‬ ‫�أعود للمنزل وذلك يف ثاين يوم يل يف هذه املدينة ‪ ،‬خرجت من املركز‬ ‫باجتاه موقف البا�صات ‪ ،‬ر�أيت اجلميع ينتظرون البا�ص ‪ ،‬ور�أيت بع�ضهم‬ ‫ال ي�ستقلون البا�ص حني ي�أتي فعرفت �أنهم ينتظرون با�ص ًا معين ًا وهنا‬ ‫بد�أت احلرية ‪ ،‬مل �أ�ستف�سر من ربة البيت عن رقم البا�ص الذي �سيعيدين‬ ‫للمنزل‪ ،‬ا�ستقللت با�ص ًا ع�شوائ ّي ًا ملركز املدينة ومنه ا�ستقللت با�ص ًا �آخر‬ ‫نحو منزيل‪� ،‬إال �أنني نزلت يف موقف خط�أ يف وقت مت�أخر من الليل ‪� ،‬شعرت‬ ‫بحالة من التيه وال�ضياع ‪ ،‬ال �أعرف عنوان البيت وال�أعرف حتى االجتاهات‬ ‫الأ�سا�سية يف هذه املدينة ‪ ،‬حاولت �أن �أخمن جهة معينة �إال �أنني مل �أ�ستطع‬ ‫توجهت بعدها ل�شارع ال �أعرفه وعندما حتققت من �ضياعي ات�صلت بربة‬ ‫البيت والتي وجدتها قلقة علي بعد ت�أخري ل�ساعات ‪� ،‬شعرت حينها بحنان‬ ‫الأمومة ‪ ،‬و�صفت يل الطريق �إال �أنني مل �أ�ستوعب ذلك ‪� ،‬أوقفت بعدها‬ ‫رج ًال ميتطي دراجة هوائية و�أعطيته الهاتف اجلوال ليحادث ربة البيت‬ ‫التي و�صفت له الطريق متام ًا وهو بدوره وجهني نحو املنزل ‪ ،‬كانت تلك‬ ‫�أول جتربة يل ولدت يف داخلي �إحباط ًا كبري ًا من املدينة وطريقة التنقل �إال‬ ‫�أنني تعودت بعد ذلك بعد �أن تعرفت على �أرقام البا�صات ‪.‬‬ ‫ك��ان البا�ص رق��م (‪ )9‬هو با�ص ًا مميز ًا ل��دي كونه البا�ص الذي‬ ‫‪42‬‬ ‫�أ�ستقله يوم ّي ًا للو�صول �إىل املعهد ‪ ،‬كنت �أنتظره كل �صباح يف متام ال�ساعة‬ ‫التا�سعة والثلث ‪ ،‬وكان ذات البا�ص يحمل عجائز يف طريقهن لعملهن ‪،‬‬ ‫كنت �أت�أمل احليوية يف �أج�سادهن رغم كرب �سنهن وكنت �أغبطهن على‬ ‫ثقتهن واعتمادهن على �أنف�سهن رغم �أنهن يف �آخر �سني العمر ‪ ،‬كنت‬ ‫�أحلظ لدى ركوبي البا�ص مدى احرتام امل�سنني وامل�سنات و�إتاحة املقاعد‬ ‫لهم ‪ ،‬كنت �أعتقد �أن هذا التقليد هو حكر لثقافتنا كما �أخربنا بذلك‬ ‫م��رار ًا ‪ ،‬علمني با�ص (‪ )9‬الكثري والكثري ‪ ،‬علمني االلتزام باملواعيد ‪،‬‬ ‫كنت �أحتمل �ضريبة الت�أخري عن حما�ضراتي الدرا�سية �إذا ما ت�أخرت‬ ‫على البا�ص ن�صف دقيقة ورمبا �أقل يف كثري من الأحيان ‪� ،‬أحيان ًا �أرى‬ ‫البا�ص يتحرك �أمامي وال �أ�ستطيع �إيقافه كونه و�صل لنقطة الوقوف قبل‬ ‫�أن �أ�صل بثوانٍ ‪.‬‬ ‫ذات يوم ت�أخر البا�ص كثري ًا �أثناء عودتي من املعهد فا�ستقللت با�ص ًا‬ ‫�آخر ذا رقم خمتلف فقدمت يف ذات اليوم �شكوى �ضد با�ص (‪ )9‬فكان‬ ‫االت�صال من م�س�ؤول يف ال�شركة يف ذات اليوم ليقدم االعتذار وير�سل‬ ‫تذكرة مفتوحة ليوم واحد ‪ ،‬اعتقد �صديقي �أنهم �سيعطونني تذكرة �شهر‬ ‫كامل ‪ ،‬فقلت له يا �صديقي لقد كانت امل�شكلة يف يوم واحد وه�ؤالء القوم‬ ‫ال ينق�صون �أحد ًا ح ّق ًا وال يزيدون ‪.‬‬ ‫بعد فرتة �ألفت البا�ص رقم (‪ )9‬و�سائقيه فما زلت �أحتفظ بجميع‬ ‫التذاكر الأ�سبوعية حتى الآن ‪ ،‬ذلك �أنني �أرى للبا�ص �أهمية كبرية يف‬ ‫تكوين �صفحة ذكرياتي متام ًا مثل البا�ص رقم (‪ )6‬والذي كان يقل غازي‬ ‫‪43‬‬ ‫الق�صيبي من " �شقة احلرية " �إىل كلية احلقوق �أثناء درا�سته يف م�صر ‪،‬‬ ‫علمني البا�ص االن�ضباط التام كما علمني طريقة االعتذار ‪ ،‬علمني البا�ص‬ ‫�آداب التعامل مع اجلال�سني كما عرفني على بع�ض الذين ينتظرونه معي‪،‬‬ ‫بعد �أن انتقلت ملدينة "لي�سرت" اخرتت �سكن ًا يف داخل اجلامعة افتقدت‬ ‫ثقافة البا�صات ‪ ،‬افتقدت االن�ضباط واالنتظار ‪ ،‬افتقدت �شراء التذاكر‬ ‫يف وقت حمدد واحلر�ص على احل�صول على تخفي�ض معني ‪ ،‬افتقدت‬ ‫حوارات الركاب وثرثراتهم‪� ،‬أخربت �صديقي ب�أنني �س�أ�ستقل با�ص خط‬ ‫البلد يف جدة لأتذكر مدينتي وعائلتي الإجنليزية ‪ ،‬و�س�أنتظر با�ص البلد‬ ‫حتى لو ت�أخر �ساعة !‪.‬‬ ‫‪44‬‬ ‫جولة يف �شارع العرب‬ ‫‪Edgware Road‬‬ ‫ال �أعتقد �أن �سعود ّي ًا زار لندن ورمبا �إجنلرتا دون �أن يتجول يف �شارع‬ ‫"اجوار روود" ففي هذا ال�شارع تختفي املعامل الغربية �إال من البا�ص‬ ‫الأحمر وحتل حملها الثقافة العربية بكل جتلياتها ‪ ،‬تنت�شر يف �أرجاء‬ ‫ال�شارع رائحة املع�سل وهي تغلب رائحة البخور الذي جتتهد بع�ض املحال‬ ‫التجارية يف بيعه هناك ‪ ،‬ت�صف �صحيفة التاميز الربيطانية الر�صينة‬ ‫"اجوار روود" �أو �شارع العرب بو�صف بريوت ال�صغرية �أو القاهرة‬ ‫ال�صغرية حيث يتحول ال�شارع يف ف�صل ال�صيف �إىل �شارع عربي يتحول‬ ‫الربيطاين فيه �إىل رجل غريب ودخيل على ثقافة ال�شارع‪ ،‬تقول ال�صحيفة‬ ‫�إن الرجل العربي ينام بالنهار وي�سهر يف الليل يف هذا ال�شارع بعد �أن ي�أكل‬ ‫من ال�شاورما ليوا�صل �سهرته على "ال�شي�شة" والتي متثل ثقافية عربية‬ ‫بالن�سبة للإجنليز ‪.‬‬ ‫يتميز هذا ال�شارع الذي يقع يف غرب لندن مبوقعه ال�شهري حيث‬ ‫ينتهي �أحد �أطرافه بحديقة "الهايد بارك" ال�شهرية و�شارع �أوك�سفورد‬ ‫التجاري ‪ ،‬ويقرتب كثري ًا من حي املايفري الذي يعترب حي ال�صفوة من‬ ‫الأثرياء‪ ،‬وا�ستطاع هذا ال�شارع بثقافته العربية �أن يجرب �أكرب �شا�شات‬ ‫‪45‬‬ ‫ال�سينما يف لندن على عر�ض �أفالم عربية ‪ ،‬تنت�شر املطاعم العربية ذات‬ ‫اجلودة العالية يف هذا ال�شارع حتى الأكلة العراقية ال�شهرية "امل�سكوف"‬ ‫وهي طريقة عراقية ل�شواء ال�سمك تقدم بجودة عالية رمبا تناف�س مطاعم‬ ‫عراقية يف ذات البلد ‪.‬‬ ‫غري �أن هذا ال�شارع الذي يحلو للعرب �إطالق م�سمى "�شارع العرب"‬ ‫عليه ال يخلو من اال�ستخفاف بالعقول العربية عرب كثري من الكتب‬ ‫وامل�ؤلفات التي ت�ستنزف اجليب قبل العقل عن طريق عناوين جذابة‬ ‫وف�ضائحية جترب الزائر على ت�صفح حمتواها ‪� ،‬أ�شعر باخلجل ال�شديد‬ ‫حني تنت�شر هذه الكتب التي تدعي ن�شر ف�ضائح الزعماء ال�سيا�سيني �أو‬ ‫ال�شخ�صيات االقت�صادية �أو الت�صنيفات القبلية ‪� ،‬أ�شعر باخلجل حني‬ ‫يعترب الأوروبيون �أن ذلك هو نتاج العقل العربي بينما توازن مكتباتهم بني‬ ‫ذلك وذاك ‪ ،‬رغم �أن هنالك �أكرث من دار حمرتمة للن�شر والتوزيع مثل‬ ‫دار ال�ساقي التي تهتم باجلاد من الكتب وامل�ؤلفات ‪.‬‬ ‫مل يقدر كثري من العرب الذين قدموا لهذا ال�شارع والأحياء املحيطة‬ ‫به لتكوين حياتهم ‪ ،‬مل يقدروا هذه الفر�صة واحلرية لكي ير�سموا وجه ًا‬ ‫ح�ضار ّي ًا م�شرق ًا بد ًال من ر�سم معامل الفو�ضى ‪ ،‬مل يلتزموا ب�أنظمة البلد‬ ‫من حيث النظافة وقانون منع التدخني يف الأماكن املغلقة وا�ستخدام‬ ‫منبهات ال�سيارات والتي ال تكاد ت�سمع �سوى يف هذا ال�شارع ‪.‬‬ ‫و�شارع العرب "�إجوار روود" هو واحد من �شوارع عديدة يف لندن‬ ‫تخ�ص�ص لثقافة معينة ‪ ،‬فهنالك �شارع ياباين و�شارع برازيلي وحي‬ ‫‪46‬‬ ‫�صومايل وحي �صيني ‪ ،‬وكل �شارع �أو حي يوفر م�ستلزمات ذات الثقافة‬ ‫من م�أكوالت وم�ؤلفات وو�سائل �إعالمية وغريها مما يجعل لندن قرية‬ ‫�صغرية يف طريقها لفقدان هويتها الربيطانية ‪ ،‬وهذا ما اكت�شفته مع‬ ‫كل زي��ارة يل للندن ‪ ،‬فذات مرة تهت بعد يوم �شاق ق�ضيته م�شي ًا على‬ ‫الأقدام يف التعرف على �شمال لندن وانتهى بي املطاف �إىل منطقة تقل‬ ‫فيها مواقف البا�صات ‪ ،‬غري �أين ا�ستقللت با�ص ًا �أو�صلني ملنطقة تغلب‬ ‫عليها املالمح الأفريقية ‪� ،‬شعرت باخلوف ملا تتميز به هذه املناطق من‬ ‫انخفا�ض معدل الأمن وارتفاع معدل اجلرمية مقارنة بغريها من �أحياء‬ ‫لندن ‪ ،‬قررت بعدها ا�ستخدام و�سيلة مرتو الأنفاق والذي �أو�صلني جمدد ًا‬ ‫ل�شارع العرب‪.‬‬ ‫�أ�شعر يف كثري من الأحيان بحنني لهذا ال�شارع لتناول �ساندوت�ش‬ ‫من ال�شاورما وق��راءة �صحيفة عربية وتذوق احللويات العربية ال�شهية‬ ‫كالكنافة والبقالوة وغريهما والتي تتوفر ب�شكل كبري يف هذا ال�شارع ‪،‬‬ ‫و�أحيان ًا �أجتول يف بع�ض البقاالت التي تبيع بع�ض الكتب ال�سخيفة مع املواد‬ ‫الغذائية ‪ ،‬وتخلط يف �أدراجها بني الغث وال�سمني ‪ ،‬يف �إحدى زياراتي لها‬ ‫قر�أت عنوان ًا جذاب ًا بخط مميز يف �أعلى غالف كتاب يقول "�سارع قبل‬ ‫م�صادرة الكتاب " م�ستغ ًّال �سذاجة القارئ العربي ‪.‬‬ ‫ما زلت �أحمل �أم ًال يف �أن يتحول هذا ال�شارع �إىل تظاهرة ثقافية ولو‬ ‫ليوم وحيد يف ال�سنة امليالدية لعر�ض ثقافتنا العربية لكل زائر ‪ ،‬فكثري‬ ‫من ال�شوارع التي تنتمي ملدن العامل تتميز مبالمح ثقافية وجادة ‪ ،‬ما زلت‬ ‫‪47‬‬ ‫�أحلم ب�أن يلتزم هذا ال�شارع بالأنظمة يف التقليل من ا�ستخدام منبهات‬ ‫ال�سيارات والتخفيف من التهور ‪ ،‬ما زلت �آمل �أن يلتزم امل�شاة ب�إ�شارات‬ ‫امل��رور وع��دم رمي املخلفات على ال�شارع حتى ال يتحول �إىل جبال من‬ ‫النفايات كما تقول �صحيفة التاميز الربيطانية‪.‬‬ ‫‪48‬‬ ‫�أوقفوا عر�ض م زايني الإبل ‪.‬‬ ‫و�صور اخليمة وال�صح راء‬ ‫اعتاد الطالب العرب وخا�صة ال�سعوديون منهم على �إقامة معر�ض‬ ‫�أو ي��وم يخت�ص بعر�ض ثقافة بلدانهم وم��ا تتميز به ‪ ،‬ويتكلف الطالب‬ ‫ال�سعوديون ب�شكل �أكرب يف هذا اليوم وذلك مبجهودات �شخ�صية يف كثري‬ ‫من الأحيان حيث يتكفل �أحدهم ب�إح�ضار "ال�شماغ ال�سعودي" فيما يتكفل‬ ‫�آخر بالقهوة العربية ‪ ،‬وال �أعرف حقيقة من الذي يتكفل ب�إح�ضار اخليمة‪.‬‬ ‫دائم ًا ما �أبدي امتعا�ضي من كثري من هذه املعار�ض والأيام ال�سعودية‪،‬‬ ‫ل�سبب واحد وهو �أنها تر�سخ �صورة منطية تر�سمت يف �أذه��ان الغرب ‪،‬‬ ‫�صورة مفادها �أننا ما زلنا ن�سكن اخليام يف و�سط ال�صحراء ون�ستخدم‬ ‫اجلمال و�سيلة للتنقل ‪ ،‬يخربين �صديقي الذي �سكن مع عائلة �إجنليزية‬ ‫�أنها �س�ألته ذات يوم ما �إذا كان يذهب ملقر عمله راكب ًا "جمالً"!!‪.‬‬ ‫�أرف�ض متام ًا حني تل�صق بنا هذه ال�صورة النمطية الفجة ونحن‬ ‫الذين ن�سابق الزمن بالنه�ضة العمرانية والتعليمية ‪� ،‬أرف�ض �أن نكون‬ ‫�صورة حتتل الناقة فيها امل�شهد كام ًال فيما تنفق الدولة مبالغ باهظة على‬ ‫ج�سور وطرقات تربط مدنها وال يعرت�ضها �سوى جمل �سائب !‪.‬‬ ‫لذلك كنت دائم ًا ما �أعتب على كثري من زمالئي ب��أن يكفوا عن‬ ‫‪49‬‬ ‫عر�ض �صور اجلمال واخليام وال�صحراء ‪� ،‬أخربتهم �أن لدينا �أهم من‬ ‫ذلك بكثري ‪� ،‬أخربتهم �أن لدينا ما نقدمه للإن�سان الآخر ‪ ،‬لدينا جمال‬ ‫العمارة الإ�سالمية والبناء والت�شييد تتجلى يف احلرمني ال�شريفني ‪ ،‬لدينا‬ ‫حفل �سنوي ديني وثقايف كبري وهو �أي��ام احلج جتمع بني ثقافات �شتى‬ ‫يجمعها دين واح��د ‪ ،‬دائم ًا ما �أخربهم �أن هنالك جامعة يف ال�ساحل‬ ‫الغربي تتقدم بخطا مت�سارعة نحو العاملية وهي جامعة امللك عبداهلل‬ ‫للعلوم والتقنية ‪ ،‬كنت ال �أمل من �إخبار عائلتي الإجنليزية �أن لدينا مدينة‬ ‫معلقة بني ال�سماء والأر���ض تلتقط قطرات املطر قبل و�صولها للأر�ض‬ ‫لكنني مل �أ َر �صور ًا لهذه املدينة ‪� -‬أبها‪ -‬وك�أن النفو�س ف�ضلت اجلفاف‬ ‫على اخل�ضرة ‪ ،‬كثري ًا ما �أمتنى �أن يت�صدر الق�سم الريا�ضي يف املعر�ض‬ ‫ال�سعودي �إ�ستاد امللك فهد بالريا�ض بجمال ت�صميمه لنخرب اجلميع ب�أننا‬ ‫طرف يف النه�ضة والتطور الذي تت�سابق فيه كثري من الدول‪.‬‬ ‫دائم ًا ما �أردد ب�أن اليابان لي�ست بحاجة لتعريف النا�س بريادتها يف‬ ‫عامل التكنولوجيا ‪ ،‬فهذه هي ال�صورة النمطية التي تكونت عنها ورمبا‬ ‫تكون حمقة �إىل حد كبري‪ ،‬لذا فال �ضري �أن تعر�ض ج��زء ًا من تراثها‬ ‫وثقافتها ‪� ،‬أما نحن ف�إننا دولة حديثة ت�سعى لإيجاد موطئ قدم بني الأمم‪،‬‬ ‫وت�سعى لتعريف العامل مبنجزاتها احل�ضارية و�أنها لي�ست جمرد �صحراء‬ ‫حتوي جما ًال �سائبة وخيام ًا مهجورة بجوار �سيارات الدفع الرباعي ‪،‬‬ ‫يحزنني ج ّد ًا حني �أقر�أ �إعالن ًا يف مكان ما عن معر�ض لل�سيارات اليابانية‬ ‫�أو املنتجات ال�صينية �أو املخرتعات الأمريكية �أو اجلامعات الربيطانية‬ ‫‪50‬‬

Download باص رقم9 ياسين الصالحي

باص رقم9_ياسين الصالحي.pdf . PDF . 644.88 KB . 112 pages

Download PDF

File information

File name
باص رقم9_ياسين الصالحي.pdf
Size
644.88 KB
Pages
112 pages
PDF version
1.4
Produced with
Adobe InDesign CS3 (5.0) / Adobe PDF Library 8.0
Filed on
05/03/2013
Page views
1 761
Document ID
9
MD5
19f810fcfa0321f54037652f95c5615e
SHA-512
3faf3d9760e71eaa4d81c7416924c7d8c5d19bb5cb4421c9b03c7268c2a321cad6c611f86b52b3c1e3ffb3bdfaab7f3559e5631730d380967dcbd83944f2f791

Share this document

This address never changes. It is the one to keep, to send, or to cite.

Shorter, for a text message or a post with a character limit.

To link to this document from a website or a blog.