PDF ArchiveHistorical archive . public document

new sep

new sep.pdf . by zazoo

PDF 1.5 19 pages 300.22 KB Filed 19/09/2016
Download this PDF
new sep.pdf
Web reader . 5 pages of 19
Page 3 of 19, new sep
3 / 5

File preview

‫ــ هذه روايةٌ تافهة‪.‬‬ ‫أجابه كاتبُها يدرأ حرجه‬ ‫ــ صحيح‪ ،‬أنا لم أنكر ذلك‪.‬‬ ‫عقد ذراعيه في وضعٍ دفاعي‪ ،‬حاول أن يظهر متماسكا ً إال أنه اختنق بألم الذع وحرقة كاوية‪،‬‬ ‫تفق مع الرجل تماماً‪ ،‬يعرف أن روايته تلك تافهةً‬ ‫كان يدرك أنه ال ُمبرر النزعاجه‪ ،‬فهو ُم ٌ‬ ‫عديمة القيمة‪ ،‬لكن سماع الكالم بمثل هذا التهكم كان ما يزال صعبا ً عليه‪ ،‬ومع ذلك حاول أن‬ ‫يتظاهر بعدم االكتراث‬ ‫غير ناضجة‪.‬‬ ‫ــ أوافقك تماماً‪ ..‬إنها روايةٌ سخيفة ُ‬ ‫ــ ال‪ ،‬هي أكثر من ذلك‪ .‬مع األسف‪...‬‬ ‫ــ مع األسف؟‬ ‫ــ يؤسفني أن يوجد هذا الهراء على ورق‪ ...‬لم أقرأ شيئا ً بمثل هذا السوء واالبتذال في‬ ‫حياتي‪ ...‬ربما تكون قويةً لغوياً‪ ...‬لكنها فاسدة ُ المكمن خاويةٌ على عروشها‬ ‫تخلى الكاتب عن حياديته الهشة وسرعان ما فقد أعصابه‬ ‫ــ هل أحضرتني لتسبني وتشتمني؟ ما المشكلة؟ لقد وافقتك في رأيك‪ ..‬الرواية سيئة تافهة‬ ‫كتبتُها وأنا مراهق ولم أنشرها قط‪ ..‬فما مشكلتك؟‬ ‫ــ مشكلتي؟ ليست هناك مشكلة‪ ..‬على العكس‪ ..‬أنا أريدك أن تنشرها‪ ..‬بل أريد أن أتكفل أنا‬ ‫بنفسي بنشرها لك‪ ..‬فهل توافق؟‬ ‫لم يتمالك ضحكته‬ ‫ــ أرجوك قل إنك تمزح! ألم تقل لتوك أنك تكرهها؟‬ ‫ــ ما أزال عند رأيي‪ ..‬ال أريد هذا الغثاء لنفسي يا عزيزي‪ ..‬إنما يثيرني أن أتكفل بنشرها لك‬ ‫فقط‪ ...‬فما رأيك؟‬ ‫نظر إليه في ريبة‪ ،‬يثيره؟ ومن أجل ماذا يثيرهُ النشر؟ الربح؟ لكن الرواية سيئة‪ ،‬ال يمكن أن‬ ‫يكون ذلك هو السبب‪ ،‬كان في الرج ِل شيئا ً ما‪ ،‬يخطف بصره ويُربكه منذ البداية‪ ،‬فصار يلوم‬ ‫نفسه أنه لم يستجب لحدسه ذاك‪ ،‬إلحساسه القوي أن ثمة شي ٌء مريب في ذلك الرجل‪ ،‬لكنه‬ ‫استطاع أخيرا ً أن يُسيطر على ريبته‪ ،‬وماذا قد يفعل به الرجل الغريب مهما بلغ من الغرابة؟‬ ‫هو أقوى منه‪ ،‬يستطيع أن يغلبه جسديا ً دون جهد‪ ،‬وسالحه تحت سترته اآلن‪ ،‬كما هي الحال‬ ‫حريص بشك ٍل يدعو لالستغراب‪،‬‬ ‫حريص على ذلك‪ ،‬ربما‬ ‫دائما ً‪ ،‬ال يمكن ألح ٍد أن يؤذيه‪ ،‬إنه‬ ‫ٌ‬ ‫ٌ‬ ‫وبعد أن بدأ يُقنِع نفسه بذلك حاول التفكير بتعقل‪ ،‬هربا ً من الصوت الذي في داخله‪ ،‬والذي‬ ‫يؤكد له أن مصيبةً – ال تبالي بقوته – توشك أن تقع له‬ ‫ٌ‬ ‫صديق لهاشم؟‬ ‫ــ أعتقد أن التفسير الوحيد هو أن هذه مزحةٌ ثقيلة‪ ..‬أليس كذلك؟ هل أنت‬ ‫لم ينتظر رداً‪ ،‬حتى هو لم يكن يصدق هذا اإلدعاء‪ ،‬وكان يعرف تماما ً أن الرجل جا ٌد كل الجد‪،‬‬ ‫ال يبدو وجهه كوجه رج ٍل يستطيع أن يمزح حتى لو شاء‪ ،‬ولكن ماذا قد يكون المغزى من‬ ‫كالمه لو لم يكن المزاح؟ ولماذا يُحمله الرج ُل بمثل هذه النظرات الثقيلة؟ كأنها نظراتٌ تعنيه‬ ‫ُّ‬ ‫يظن أنه تربطهما عالقةٌ شخصيةٌ ما‪ ،‬ولكنه واه ٌم‬ ‫هو بذاته‪ ،‬تُصيبه ال تخطأه‪ ،‬شعر كأن الرجل‬ ‫لو ظن ذلك‪ ،‬يعرف هو أنه لم ير هذا الرجل المعتوه في حياته‪ ،‬كان ليتذكره‪ ،‬ب ُهزاله ال ُمل ِفت‪،‬‬ ‫المارق‪ ،‬وألن مالمحه كانت مميزة‪ ،‬بدا في العشرينات من عمره‪ ،‬لكن مالمحه كانت‬ ‫وطوله‬ ‫ِ‬ ‫كئيبةً ساخطة‪ ،‬كمالمح شيخٍ كافر ينتظر الموت‪ ،‬ويخافه برغم ما يُظهر من جلد‪ ،‬حتى صوتُه‬ ‫كان خابيا ً مكدودا ً ميتاً‪ ،‬قال له من شفتيه الشاحبتيْن بخمو ٍل وضحك ٍة جافة‬ ‫ــ لو كنتُ أعرف أنك ستُعجب بي إلى هذه الدرجة ألمرتُ أحدا ً أن يأتيك بصورتي‪...‬‬ ‫ــ آ‪..‬أنا آسف‪ ..‬لم أقصد شيئاً‪.‬‬ ‫البصر محاوالً وضع يده على المشكلة‬ ‫أنزل الكاتب عينيه أرضاً‪ ،‬ثم أردف خافض‬ ‫ِ‬ ‫ــ أنت تمقتُ روايتي كل هذا المقت‪ ...‬ولكنك رغم ذلك تطلب أن تنشرها لي؟‬ ‫ــ أنا ال أطلب‪...‬‬ ‫قال الرجل ذلك وهو يضع إحدى ساقيه الطويلتين فوق األخرى‪ ،‬ثم أردف بمزيد من العجرفة‬ ‫ــ أنا ال أطلب‪ ..‬أنا أتوسل! نعم‪ ..‬ال تنظر إلي هكذا‪ ..‬إنني أتوسل إليك أن توافق‪...‬‬ ‫ــ اآلن أنا فعالً ال أفهم شيئاً‪...‬‬ ‫ــ ال بأس‪ ،‬أقدر أنك ال تفهم‪ ..‬وسأشرح لك فيما بعد‪ ..‬لكن أجبني أوالً‪ ..‬هل توافق على نشر‬ ‫الرواية؟‬ ‫ــ أنا آسف‪ ..‬ال أوافق طبعاً‪ ..‬لو أردتُ نشرها لما انتظرتُك! لو أردتُ نشرها لفعلتُ ذلك منذ‬ ‫خمس عشرة سنة!‬ ‫ــ ولماذا ال توافق على نشرها؟‬ ‫أجابه الكاتب بعد بره ٍة قصيرة‬ ‫ُ‬ ‫أؤمن بأنه وسيلةٌ قوية‬ ‫ــ عندما كنتُ مراهقا ً لم أكن أدركُ أن األدب رسالة‪ ..‬أصبحتُ اآلن أنا‬ ‫لإلضاف ِة إلى الوعي الجمعي‪ ..‬أما هذه الرواية فهي هراء‪ ..‬لن أنشر هذا الهراء على أحد‪ ..‬أنا‬ ‫آسف‪.‬‬ ‫ــ حتى لو عرضتُ عليك عشرة مليون؟ أو عشرين مليون جنيه ‪ ..‬هل توافق؟‬ ‫نهض الكاتب خائبا ً يحاول االستيعاب‬ ‫ــ ما هذا؟ برنامج كاميرا خفية؟ يا لمضيعة الوقت!‬ ‫ــ أرجوك اهدأ‪ ..‬أنا بليونير‪ ..‬هذا المبلغ ال شيء عندي‪ ..‬والمال هنا في هذه الغرفة على‬ ‫يمينك‪ ..‬إذهب لتفقده إذا شئت‪.‬‬ ‫ــ أوه‪ ،‬أنت بليونير؟! لذلك تقيم في هذه الخرابة؟!‬ ‫ــ نعم‪ ،‬إذهب لتفقد الغرفة ستجد المبلغ الذي عرضتُه عليك كامالً‪.‬‬ ‫ــ فلنسلم أنك بليونير مع أنني أستبعد ذلك! ماذا قد تستفي ُد أنت من هذا العرض الغريب؟ ما هو‬ ‫المميز جدا ً في هذه الرواية؟!‬ ‫ٌ‬ ‫مميز فيها‪ ..‬إنها رواية قذرة‪ ..‬أعتقد أننا غطينا هذه النقطة من قبل‬ ‫ــ ال شيء‬ ‫هاجمه الكاتب بوثب ٍة جعلت اآلخر يتمايل م ْيالً شديداً‪ ،‬ال يناسب ضآلة الهجمة‪ ،‬بدا أقرب إلى‬ ‫أنه يترنح من أثر شيء عبث بدماغه‪ ،‬ضحك ضحكةً قصيرة‪ ،‬فأثار ذلك غضب غريمه الذي‬ ‫بدأ يتصبب عرقا ً‬ ‫ــ ما الذي يجري؟‬ ‫ــ أرجوك اهدأ‬ ‫اعتدل الرجل في وقفته بصعوبة وهو يغالب ضحكه‪ ،‬ثم وضع يده على كتف صاحبه‬ ‫ــ هال جلست؟ ستفهم كل شيء خالل لحظات‪...‬‬ ‫ــ لن أهدأ ولن أجلس وال أريد أن أفهم شيئاً‪.‬‬ ‫ْ‬ ‫سمحت؟‬ ‫ــ كما تريد‪ ..‬ال تجلس وال تهدأ‪ ..‬ولكن هال تبِعتني إذا‬ ‫رافقه الكاتب متثاقالً – مدفوعا ً بالفضول – إلى الغرفة على اليمين‪ ،‬أضاء الرج ُل مصباحها‬ ‫سرير صغير‪ ،‬تقدم الكاتب ليتحقق من الورق‬ ‫فظهرت كومةٌ من النقود تكاد أن تكون بحجم‬ ‫ٍ‬ ‫فوجده حقيقياً‪ ،‬عند ذلك بدأ يرتاب أنه هو الذي يحلم‪ ،‬لكن الرجل قاطع خياالته‬ ‫ــ ما رأيك؟ هل توافق على عرضي؟‬ ‫ت الكاتب وهو ينظر إلى المال المرمي أرضاً‪ ،‬ربما يُعتبر من األثرياء‪ ،‬ومع ذلك فهو في‬ ‫بُه ِ‬ ‫ألغراض أخرى‪ ،‬لكنه صمد‬ ‫حاج ٍة ماس ٍة إلى مثل هذا المبلغ الضخم‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫ــ ال أوافق‪ ..‬أنا آسف‪.‬‬ ‫استدار الكاتب يريد أن ينصرف مهروالً‪ ،‬فقد أصبح يرى أن الرجل سفيهٌ مريب‪ ،‬كان يقف له‬ ‫ب واضح‪ ،‬وقفته المائلة‪ ،‬ونظرته الفارغة‪ ،‬دفعتا‬ ‫عند باب الغرفة الوحيد منتشيا ً بدون سب ٍ‬ ‫بالكاتب إلى العجب واالستنكار‪ ،‬إنه مجنون‪ ،‬ال ريب‪ ،‬استجمع هو شجاعته ومضى تجاهه‪،‬‬ ‫ابتسم اآلخر له نصف ابتسامة‪ ،‬ومد ذراعه الطويل الهزيل ليمنعه عن الخروج قائالً‬ ‫عرض غيره‬ ‫ــ عندي‬ ‫ٌ‬ ‫خوف غريب من الموقف برمته‪ ،‬أكد له وهو يحاول أن يتجاوزه‬ ‫نظر إليه وقد أصبح فيه‬ ‫ٌ‬ ‫ــ ال أوافق على أي عرض حتى قبل أن أعرف ما هو‬ ‫ــ إسمع أرجوك ‪.....‬أنا‪ ...‬أنا في حاج ٍة إلى أن أنشر هذه الرواية‪ ..‬أتفهم؟ حاجتي إلى ذلك‬ ‫ماسةٌ خانقةٌ تكاد أن تصيبني بالجنون‬ ‫ترتجف وهو يعبر عن رغبته‬ ‫الحظ الكاتب أن يد الرجل كانت‬ ‫ُ‬ ‫ــ أرجوك!‬ ‫ْ‬ ‫ازدادت رعشة الرجل وهو يتوسل‪ ،‬فأصيب الكاتب بريب ٍة شديدة وبدأ يدفعه بعنف يريد أن‬ ‫يهرب‪ ،‬لكن الرجل تابع كالمه وقد أصبح يلهث تقريبا ً‬ ‫باسم مستعار؟‬ ‫ــ إنتظر‪ ..‬أرجوك‪ ..‬ما رأيك أن نعدل العرض قليالً؟ ما رأيك أن تنشر الرواية‬ ‫ٍ‬ ‫هل توافق على هذا؟ أرجوك ‪ ..‬إني أتوسل إليك أن توافق‪...‬‬ ‫***‬ ‫ــ إذا لم تُعطني المفتاح فسوف أقتلها!‬ ‫الكاتب إلى المعتوه المضجع على األرضية القذرة‪ِ ،‬شبه نائم‪ ،‬تمنى لو أنه يتحرك ولو‬ ‫نظر‬ ‫ُ‬ ‫ْ‬ ‫حاولت‬ ‫قليالً‪ ،‬لكنه لم يستجب لتهديده‪ ،‬أحكم الكاتب قبضته القاسية على المرأ ِة األربعينية‪ ،‬التي‬ ‫بدورها التملص منه‪ ،‬لكنها لم تستطع أن تقاوم قوته الجسدية مطلقا ً‪ ،‬لقد قمع ثورتها عليه‬ ‫صه الذي يعرفه أن‬ ‫بسهولة‪ ،‬ولما شعر بضعفها الشديد في مقابل عضالت جسده‪ ،‬كاد شخ ُ‬ ‫يتحطم‪ ،‬لم يكن يتوقع أن رجالً شريفا ً مثله قد يرفع المسدس على امرأة‪ ،‬مهما كان السبب‪ ،‬نظر‬ ‫غل وصاح به‬ ‫إلى المجنون في ٍ‬ ‫ــ سأقتلها أمامك! أال تفهم؟!‬ ‫ْ‬ ‫ثوان‪،‬‬ ‫زاغت حدقتاه لبضع‬ ‫أغمض المعني عينيه كأنه سينام‪ ،‬لكنه بعد ذلك عاد ففتحهما ببطء‪،‬‬ ‫ٍ‬ ‫وصار البياض طاغيا ً على عينيه كأنه سيعمى‪ ،‬قال بصو ٍ‬ ‫ت ناعس ال يكاد يُسمع لشد ِة نعومته‬ ‫وانخفاضه‬ ‫ــ ماذا تنتظر؟ هيا‪ ..‬إفعل بها ما يحلو لك‪.‬‬ ‫مسح الكاتب عرقه بساعده‪ ،‬وبيده األخرى ثبت المسدس على رقبة المرأة‪ ،‬ثم قال وهو يضغط‬ ‫على أسنانه‬ ‫ــ أرجوك ال تجبرني على هذه األفعال الدنيئة!! ال تجبرني على تهديدك بما هو أشنع من قتلها!‬ ‫سخر منه الرجل بنصف ابتسامة‪ ،‬ثم أجابه بصو ٍ‬ ‫نعاس يزداد‬ ‫ت فيه‬ ‫ٌ‬ ‫ــ عزيزي‪ ..‬كنتُ أعرف أنك ستهدد بهذا التهديد تحديدا ً‪ ..‬لذلك اختصرتُ عليك الطريق فلم أقل‬ ‫اقتلها‪ ..‬ولكن قلتُ إفع ْل بها ما يحلو لك‪ .....‬هيا‪ ..‬ماذا تنتظر؟ تفضل يا عزيزي هي تحت‬ ‫رحمتك‪ ..‬أنا أنتظر‪ ..‬أو يمكن أن أخرج إذا أردت وأترك لكما الغرفة؟‬ ‫ــ ما يحلو لي؟!‪ ....‬ما‪....‬‬ ‫الكاتب المرأة ال ُمقيدة أرضاً‪ ،‬ثم رفع الرجل الهزيل من ثيابه فأنهضه رغما ً عنه‪ ،‬وبسبب‬ ‫رمى‬ ‫ُ‬ ‫طوله الشديد فقد تدلى رأسه على صدره‪ ،‬صاح الكاتب في وجهه الخالي من التعبير‬ ‫ــ إن هذا ال يحلو لي! ال شيء من هذا‪" ..‬يحلو" لي!‬ ‫ضحك الرجل وقال متهكما ً‬ ‫ينظر إليه من األعلى‬ ‫ُ‬ ‫ــ فعالً؟! هل أنت واثق؟‬ ‫صفعه الكاتب بالحائط خلفه‬ ‫ــ هل تظن أنك تعرفني حق المعرفة؟‬ ‫أقحم الكاتب يده في جيب غريمه ليستخرج منه محفظته‪ ،‬فتحها ثم أخرج منها ورقةً مطوية‪،‬‬ ‫خبرا ً ُمقتصا ً من جريدةٍ قديمة‪ ،‬عنوانه‬ ‫"طف ٌل يقت ُل أباه بسبعين طعنة و يمثل بجثته بعد موته"‬ ‫الكاتب الخبر في وج ِه المجنون‪ ،‬ثم صاح غاضبا ً يكاد أن يبطش به‬ ‫رفع‬ ‫ُ‬ ‫ــ أنا أيضا ً أعرفك! أنت أيضا ً لست بريئاً! ‪ ...‬فهل بسبب غلط ٍة واحدة تجعلنـ‬ ‫ــ غلط ٍة واحدة؟!‬ ‫انطفأ وجه الرجل ومال جسده إلى اليسار قليالً‪ ،‬لم يستغرب الكاتب م ْيله المفاجىء فقد أصبح‬ ‫يعتاد حركاته المضطربة‪ ،‬إنما أدهشه وجه الرجل الذي تخشب وبهت لونه‪ ،‬في لحظة‪ ،‬خال‬ ‫أثر للعاطفة‪ ،‬وحدق في الكاتب ثابتا ً باردا ً كأنه أصبح ال يمتلك تجاهه أي عاطف ٍة‬ ‫وجهه من كل ٍ‬ ‫إنسانية‪ ،‬شعر الكاتب بأنه خوا ٌء أو عدم‪ ،‬لكنه تمالك نفسه أخيرا ً وصاح بصو ٍ‬ ‫ت أضعف من ذي‬ ‫قبل‬ ‫ــ أين مفتاح غرفة زوجتي؟!‬ ‫استمر الرجل ينظر خالله كما يُنظر إلى البغي عديمة الشرف‪ ،‬ثم اعتدل عن ميْله أخيراً‪ ،‬استند‬ ‫إلى الحائط‪ ،‬والتف لينصرف دون إجابة‪ .‬عندما تحرر الكاتب من نظرته استطاع أن يجذبه من‬ ‫ثيابه‬ ‫ذنب زوجتي المسجونة؟!! ال ذنب لها في شيء! أرجوك أخبرني أين المفتاح؟‬ ‫ــ أرجوك! ما ُ‬ ‫أجابه الرجل بصو ٍ‬ ‫ت ناعم ال يكاد يُسمع‬ ‫ــ هل تسأل عن ذنبها ألنك تريد فعالً أن تعرف؟‬ ‫ــ ماذا؟!‬ ‫التف الرجل‪ ،‬وكانت مالمحه قد تخففت من ثقلها السابق‬ ‫ــ ألم تسمعني؟‬ ‫ــ ال طاقة لي بهذا الهراء! أعطني المفتاح!‬ ‫اقترب الرجل منه حتى صار مالصقا ً له‪ ،‬كان فارق الطول كبيرا ً بحيث استطاع الرجل أن‬ ‫يضع يده الشاحبة على رأس الكاتب كأنه ابنه الصغير‬ ‫ــ هل تري ُد فعالً أن تعرف ذنبها؟ لن تعجبك اإلجابة‪ ...‬أنت تعرف أني لن أسجنها هنا دون‬ ‫تهمة‪ ..‬أليس كذلك؟ أنت أول العارفين بهذا‪ ...‬هاااا‪ ...‬عيناك تختلجان! أنت تصدقني!‪ ....‬ها؟‬ ‫ْ‬ ‫فعلت زوجتُك؟‬ ‫أال تريد أن تعرف ماذا‬ ‫ــ وال كلم ٍة أخرى! أخبرني أين مفتاح غرفتها‪ ،‬وإال‪...‬‬ ‫ــ وإال ماذا؟ ها؟ ماذا ستفعل؟‬ ‫تراجع إلى الوراء متمايالً‪ ،‬ثم وضع أصابعه الهزيلة الشاحبة قرب رأسه‪ ،‬أشار بإصبعه كأنه‬ ‫مسدس يشحذه‪ ،‬ثم قال يتحدى غريمه بصوته الناعس األجوف‬ ‫ٌ‬ ‫ــ وإال ماذا؟ هل ستقتلني بهذا المسدس الخ ِطر الرهيب؟ ها؟ هيا اقتلني‪ ...‬ماذا تنتظر؟‬ ‫***‬ ‫الخميس‪ ،‬الثامن من يوليو‪1996 ،‬‬ ‫أخطأت‪ ،‬كان يجب أن أنام ولو لساعة‪ ،‬اآلن أنا بسبب السهر مؤر ٌق ومضطرب‪ ،‬أبدو أكثر‬ ‫خبالً‪ ،‬وهذا ليس في صالحي‪ ،‬سيجعلني ذلك أبدو مذنباً‪ ،‬ولكن ما فائدة النوم؟ ال شيء‪ ،‬ال يمكن‬ ‫لبعض النوم أن يجعلني أكثر استقامة‪ ،‬ال أمل في ذلك‪ ،‬أنا منذ رحيل أمي‪ ،‬محطم‪ ،‬مبعثر‪،‬‬ ‫عقلي أصابه خل ٌل ما‪ ،‬الزمن مختل‪ ،‬الشخوص ت ُختلق وتختفي في العدم‪ ،‬ربما ألنني وحي ٌد جداً‪،‬‬ ‫ووحدتي هذه ت صيبني بالريبة أكثر فأكثر‪ ،‬ربما من أجل ذلك عدت أكتب‪ ،‬علمتنا أمي أن نكتب‬ ‫كل يوم‪ ،‬أي شيء‪ ،‬واآلن أنا أحتاج إلى التدوين حاجةً ماسة‪ ،‬أحتاج أن أقرأ ما يحدث لي‪ ،‬لكي‬ ‫أحكم بنفسي‪ ،‬هل فقدتُ عقلي بالفعل أم ال‪ ،‬إن ذلك الشعور يخيفني‪ ،‬أصبحتُ خائفا ً طوال‬ ‫الوقت‪ ،‬واآلن أكثر من كل وقت‪ ،‬ولذلك خذلتني كرامتي وتوسلتُ إليه‬ ‫ــ أبي؟ إلى أين أنت ذاهب؟ ألن تبقى معي أثناء التحقيق؟!‬ ‫لم تتحرك في وجهه عضلةٌ واحدة‪ ،‬لكن نظرة استهزاءٍ عبرتني بال مشقة منه‪ ،‬دون أن يضطر‬ ‫حتى أن ينظر تجاهي تماماً‪ ،‬هربتُ من سخريته بالتحديق صوب األرض‬ ‫ــ أنا آسف‪..‬‬ ‫لماذا اعتذرت؟ عم اعتذرت؟ لماذا أنا بهذا الضعف أمامه؟ رمقني في سخري ٍة من االعتذار‬ ‫الذي لم يكن له سبب‪ ،‬بمثل هذه النظرة‪ ،‬وبما هو فوقها‪ ،‬أعرف أنه هو من قتل أمي‪ ،‬أستطيع‬ ‫أن أتخيله في صورته الساخرة هذه‪ ،‬وهو يلهو بالسكين‪ ،‬يديرها بأصابعه الغليظة‪ ،‬ثم يسحب‬ ‫السكين على جلدها‪ ،‬ثم يطعنها مرة ً بعد مرةٍ بعد مرة‪...‬‬ ‫شعر أنه سوف يأتي يو ٌم وأقتله بنفسي‪ ،‬لكنني مع ذلك‪ ،‬اآلن في هذه اللحظة‪،‬‬ ‫مؤخرا ً أصبحتُ أ ُ‬ ‫ٌ‬ ‫شمس حارقةٌ لألبصار‪ ،‬قبل أن يخرج من الباب‬ ‫عاجز حتى عن النظر تجاهه مباشرةً‪ ،‬كأنه‬ ‫ٌ‬ ‫استلم معطفه من مساعدته ليلى‪ ،‬ثم همس مهددا ً دون أن يلتفت إلي‬ ‫ــ إياك أن تفتح فمك بكلمة عنه‪ ،‬أتفهم؟‬ ‫أومأتُ برأسي تقديما ً لفروض الطاعة‪ ،‬برغم أنه ال يراني‪ ،‬بعد ذلك اقترب الضابطان وبدآ‬ ‫بالتحقيق معي في مكتب أبي‪ ،‬قال أطولهما بعد أن جلس في هدوء‬ ‫ــ أين كنت ليلة الثالثاء من منتصف الليل إلى الثالثة فجراً؟‬ ‫ــ كنتُ نائماً‪ ..‬في غرفتي‪..‬‬ ‫ــ هل هناك أح ٌد يمكن أن يؤكد ذلك؟‬ ‫ــ لم أتعود أن أنام في وجود شهود‪...‬‬ ‫ابتسم الضابط األول ابتسامةً لم أفهم مغزاها‪ ،‬أما الثاني فقد بدأ يتحدث في عصبي ٍة ال داعي لها‬ ‫ــ إن غرفتك هي أقرب الغرف لغرفة أمك التي قُتلت فيها!!‬ ‫ــ ثم ماذا؟‬ ‫ــ ثم أنك مريـ‬ ‫ض القلم في فمه‬ ‫قاطعه زميله وهو يع ُّ‬ ‫ــ عصام‪ ...‬إهدأ يا عزيزي‪.‬‬ ‫انصاع له زميله وسكت برغم أن وجهه كان يزداد احمرارا ً وغلظة‪ ،‬لكن الضابط اآلخر‬ ‫يعض القلم في فمه‪ ،‬وكان تصرفه ذاك يُصيبني بالغثيان لكنني حاولتُ السيطرة‬ ‫تجاهله واستمر‬ ‫ُّ‬ ‫على اشمئزازي‪ ،‬خاطبني دون أن ينزع القلم‬ ‫ــ عندما ماتت أمك‪ ...‬كانت هناك موسيقى في غرفتها‪ ...‬هل تعرف هذا؟‬ ‫ارتعش جسدي وشعرتُ بشعر ذراعي ينتصب‪ ،‬تابع هو بالبرود نفسه‬ ‫ــ كان هناك معزوفةٌ تنبعث من الفونوغراف‪ ..‬هل تعرف أي معزوف ٍة هي؟‬ ‫ــ ال‪...‬‬ ‫ابتسم الضابط ذات االبتسامة التي ال أفهم مغزاها‪ ،‬ثم نزع القلم من فمه‪ ،‬فظهر اللعاب وآثار‬ ‫األسنان على الغطاء الذي كان يعضه‪ ،‬وضعت يدي على فمي حتى أبلع القيء‪ ،‬ثم أجبرتُ‬ ‫نفسي بصعوبة على النظر بعيدا ً عن القلم‬

Download new sep

new sep.pdf . PDF . 300.22 KB . 19 pages

Download PDF

File information

File name
new sep.pdf
Author
zazoo
Size
300.22 KB
Pages
19 pages
PDF version
1.5
Produced with
Microsoft® Word Starter 2010
Filed on
19/09/2016
Page views
322
Document ID
new-sep
MD5
0513e9965ba41226a459adc7e8f2b09c
SHA-512
c0b55c8713f1789d2a8c47a434ca34a43efa2c80156bf8f30e29d644d7ec87d699a6640e0fe80faece0a8dea54d9bdef71c66a64c090ca8da9069cfcf457e624

Share this document

This address never changes. It is the one to keep, to send, or to cite.

Shorter, for a text message or a post with a character limit.

To link to this document from a website or a blog.