PDF ArchiveHistorical archive . public document
2014 . April . 5

7ekmat ebtila

7ekmat-ebtila.pdf . by qata ozzy

PDF 1.5 26 pages 557.04 KB Filed 05/04/2014
Download this PDF
7ekmat-ebtila.pdf
Web reader . 5 pages of 26
Page 3 of 26, 7ekmat ebtila
3 / 5

File preview

‫حِـ ـ ـ ـكِ ـمِةِِِاإلبـ ـ ـِت ـ ـلِءِ‬ ‫بقلم‬ ‫الشيخ عمر بن محمود أبو عمر‬ ‫أبو قتادة‬ ‫حفظه هللا تعالى‬ ‫‪5341‬هـ ‪4153 -‬م‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫إهـ ـداء‬ ‫أهدي ه ذا الكتاب إلى ابنتي وابن أخي‬ ‫بمناسبة زواجهما‪.‬‬ ‫‪2‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫بسم‬ ‫ميحرلا نمحرلا هللا‬ ‫وبه نستعين‬ ‫الحمد هلل رب العالمين‪ ،‬والصالة والسالم على دمحم األمين‪ ،‬وعلى آله الطيبين‬ ‫الطاهرين‪ ،‬وعلى صحبه أجمعين‪ ،‬آمين‪ ،‬أما بعد‪،‬‬ ‫ي وعليك من رحمته‪ ،‬ووسعنا جميعا‬ ‫فيا أبا عبد هللا حفظك هللا لطاعته‪ ،‬وأسبغ عل ّ‬ ‫بمغفرته‪ ،‬تطلب مني أن أكتب لك شيئا ً تُح ِّلّي به نفسك‪ ،‬وترفع به همتك‪ ،‬وتقوي فيك‬ ‫الصبر على ما نحن فيه من أحوال‪ ،‬وأنت تعلم أن طريق والية هللا طريق الصبر‬ ‫واليقين‪ ،‬ألنه يجمع أمرين اثنين هما‪ :‬صعوبة ومشقة الحال‪ ،‬وراحة ونوال المطلوب‬ ‫في المآل‪ ،‬فاألول ال يقطع إال بالصبر والثاني ال يحصل إال باليقين‪ ،‬فنحن اليوم وإن‬ ‫كنا في القيد واألسر‪ ،‬ويتحكم فينا أنزال سفلة‪ ،‬يغلقون عنا الخير الذي نريده من‬ ‫الجهاد‪ ،‬ويمنعون عنا أعظم ما يحتاجه اإلنسان وهو الحرية لقوله تعالى‪َ { -:‬ولَ ْو أَنَّا‬ ‫سكُ ْم أ َ ِّو ْ‬ ‫اركُ ْم َما َفعَلُوه ُ } وقد جمع هللا كراهية‬ ‫َكت َ ْبنَا َعلَ ْي ِّه ْم أ َ ِّن ا ْقتُلُوا أَ ْنفُ َ‬ ‫اخ ُر ُجوا ِّم ْن ِّديَ ِّ‬ ‫قتل المرء نفسه مع خروجه من دياره في مقام واحد‪ ،‬وذلك لعظم خروج المرء من‬ ‫دياره‪ ،‬والسجين يعاني أشد من إخراجه من دياره‪ ،‬فهو فيه هذا وفيه أكثر وهو القيد‬ ‫ض } لقول‬ ‫حتى عد بعض أهل العلم السجن هو تطبيق لقوله تعالى { أ َ ْو يُ ْنف َْوا ِّم َن ْاأل َ ْر ِّ‬ ‫الشاعر‪:‬‬ ‫إذا جاءنا السجان يوما ً لحاجة‬ ‫عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا‬ ‫لكن يا صاحبي وأخي إن ما يرطب ذلك كله أن هناك الدار اآلخرة‪ ،‬وهناك الحساب‬ ‫والجنة والنار‪ ،‬وهي حقائق أعظم من حقيقة اللحظة التي نعيشها‪ ،‬فإن لحظات هذه‬ ‫‪3‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫الدنيا زائلة ذاهبة‪ ،‬ولحظات الجنان مقيمة دائمة‪ ،‬فوهللا لو كشف للمظلوم المسجون‬ ‫بسبب دينه وحبه الجهاد ماله من األجر في اآلخرة لتمنى أن ال يخرج مما هو فيه‪،‬‬ ‫ل كننا أبناء الدنيا يا أبا عبد هللا‪ ،‬فلنا شهواتنا ورغباتنا‪ ،‬وفي داخلنا إنسان مركب على‬ ‫حب النعيم‪ ،‬فال تجزع وال تحزن‪ ،‬وليكن من يقينك الذي ال تغفله أن العاقبة للمتقين‪،‬‬ ‫فنحن نركض إلى اليسر من العسر الذي نحن فيه‪ ،‬وخصومنا المجرمون يركضون‬ ‫إلى العسر من اليسر الذي هم فيه‪ ،‬فنحن أسعد منهم بكثير‪ ،‬كما أن من يقين المؤمن أن‬ ‫النصر آت‪ ،‬حتى لو تأخر حينا‪ ،‬فإن للتأخر حسنات منها ما تحقق من تأخر الفرج عن‬ ‫يوسف عليه السالم لقوله تعالى‪َ { :‬فلَ ِّب َ‬ ‫ين } فإنه لو خرج يومها‬ ‫س ْج ِّن ِّب ْ‬ ‫ض َع ِّس ِّن َ‬ ‫ث ِّفي ال ِّ ّ‬ ‫لما خرج إلى الملك والتمكين في األرض‪ ،‬لكنه لما تأخر الفرج كانت العاقبة أعظم‬ ‫وأفضل للمبتلى المظلوم‪.‬‬ ‫أخي أبا عبد هللا‪-:‬‬ ‫تطلب مني كلمات تعينك على هذه المحنة‪ ،‬وهل هناك أعظم من أن أتلوا وإياك آيات‬ ‫الصبر التي تسلي مثلي ومثلك!‬ ‫فنحن يا صديقي عبيد هلل تعالى‪ ،‬وحقيقة العبودية ال تقوم على االختيار‪ ،‬بل ال تقوم إال‬ ‫على التسليم لما يختاره سيده له‪ ،‬فإن هللا تعالى هو حسبنا ووكيلنا‪ ،‬يضعنا حيث يريد‬ ‫مما يحقق الخير لنا ولدينه‪ ،‬ونقبل ذلك منه حتى لو كرهته نفوسنا‪ ،‬فإن الخير ليس ما‬ ‫ش ْيئًا َوه َُو َخي ٌْر لَكُ ْم ۖ‬ ‫س ٰى أ َ ْن ت َ ْك َرهُوا َ‬ ‫نحب‪ ،‬وليس الشر هو ما يكره‪ ،‬فاهلل يقول‪َ { :‬و َع َ‬ ‫ت ال َّ‬ ‫ش ْو َك ِّة تَكُو ُن‬ ‫س ٰى أ َ ْن ت ُ ِّحبُّوا َ‬ ‫ش ْيئًا َوه َُو ش ٌَّر لَكُ ْم } وهللا يقول { َوت ََود َ‬ ‫ُّون أ َ َّن َغي َْر ذَا ِّ‬ ‫َو َع َ‬ ‫لَكُ ْم }‪.‬‬ ‫فتفكر في آثار هذا الذي نكرهه من القيد من الخير ترى أشياء كثيرة هي أعظم في‬ ‫ميزان العقل والهدى من البقاء أحرارا ً‪ ،‬فإن البالء وإن كان مكروها ً في الحال‪ ،‬إال أنه‬ ‫خير في المآل للمؤمن كما قال ملسو هيلع هللا ىلص‪ ":‬إن أمر المؤمن كله له خير"‪ ،‬ولع ّل من الخير أن‬ ‫‪4‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫أتذاكر معك بعض فوائد البالء في سبيل هللا تعالى‪ ،‬وسأكتب لك تباعا ً بعض هذه‬ ‫الفوائد لنراجعها معاً‪ ،‬واقرأها مع إخوانك إن أحببت‪.‬‬ ‫فوائد اإلبتالء في سبيل هللا تعالى ‪-:‬‬ ‫***‬ ‫ إ َّن أول الفوائد العاجلة التي تحصل بالبالء في سبيل هللا تعالى أن العبد يقرب فيها‬‫من ربه‪ ،‬فإن دعاء الغريق ليس كدعاء الجالس مطمئنا ً على شاطئ النعيم‪ ،‬فإن دعاء‬ ‫األول يحضر به القلب‪ ،‬ويتوجه اإلنسان بكليته إلى مواله الرحيم‪ ،‬ولذلك كان‬ ‫ير ِّإ َّال‬ ‫المترفون أبعد الناس عن الذكرى كما قال تعالى { َو َما أَ ْر َ‬ ‫س ْلنَا ِّفي قَ ْر َي ٍة ِّم ْن نَ ِّذ ٍ‬ ‫ون }‪ ،‬فإن الترف يدعو للهو والغفلة والنسيان‪،‬‬ ‫قَا َل ُمتْ َرفُو َها ِّإنَّا ِّب َما أ ُ ْر ِّس ْلت ُ ْم ِّب ِّه كَا ِّف ُر َ‬ ‫وقلة المصائب تضعف شعور الفقر والحاجة‪ ،‬فإذا جاءت المصائب تذكر المرء ضعفه‬ ‫وحاجته فيلجأ لربه الرحمن‪ ،‬ويفزع للدعاء والسؤال‪ ،‬فيبلغ بهذا السؤال واالستغاثة‬ ‫وشعور الفقر والضعف ما ال يبلغه بكثير من العبادات إن كان طائعاً‪ ،‬فكيف إذا كان‬ ‫في ترفه بعيدا ً عن الطاعة بالكلية‪ ،‬ولهذا المعنى كان الصالحون يحبون البالء لما‬ ‫يحسونه من معاني الفقر وصدق الدعاء واإلستغاثة‪ ،‬ولو لم يكن في البالء إال هذا‬ ‫المعنى لكفى‪ ،‬فإن العبادة مقصود الرب في الوجود‪ ،‬ومقام العبودية ال يتحقق إال بالذل‬ ‫واإلخبات واإلنابة‪ ،‬فلهذا كان البالء هو أعظم مقام يلزم العبودية‪ ،‬وال يتخلف عنها‬ ‫البتة كما قال ملسو هيلع هللا ىلص‪" -:‬أشد الناس بالء األنبياء ثم األمثل فاألمثل" وكقوله "يبتلى الرجل‬ ‫على قدر دينه"‪ ،‬فإن فهمت هذا أدركت أن العبودية هلل تعالى ابتالء‪ ،‬وهي كذلك نعمة‬ ‫عظيمة‪ ،‬وحين يعسر على المرء فهم هذه المناقضة بين البالء الذي تكرهه النفس وبين‬ ‫صا ِّل ًحا ِّم ْن ذَك ٍَر أ َ ْو أ ُ ْنث َ ٰى َوه َُو ُمؤْ ِّم ٌن‬ ‫العبودية التي يحصل بها قوله تعالى { َم ْن َ‬ ‫ع ِّم َل َ‬ ‫فَلَنُ ْح ِّييَنَّه ُ َحيَاة ً َ‬ ‫ط ِّيّبَةً } يرى أن هذا الحوار‪ ،‬فبالبالء الذي تكرهه النفس يحصل القرب‬ ‫لرب العباد بالدعاء واالستغاثة‪ ،‬وهذه لها معاني النعيم في قلب المؤمن‪ ،‬ويحصل بها‬ ‫‪5‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫ذوق اإليمان والشعور به مع المتعة به‪ ،‬وهذا كله في مقام واحد ال يشعر به وال يفهمه‬ ‫إال من عاناه وعاشه وتقلب فيه‪.‬‬ ‫فبالبالء تحصل العبودية القائمة على التذلل والسؤال واالستغاثة‪ ،‬كما هو حال أيوب‬ ‫ويوسف وإسحق وزكريا عليهم السالم‪ ،‬وذلك فيما وقع لهم من البالء البدني والعائلي‪،‬‬ ‫وغيرهم من البالء الذي حصل لهم في نفوسهم وأهليهم كحال إمام الحنفاء إبراهيم‬ ‫عليه السالم‪ ،‬وما من نبي إال وابتلي في دعوته إلى هللا من قومه كما هو مبسوط في‬ ‫كتاب هللا تعالى‪ ،‬وقد كان هذا البالء بكل أنواعه سببا ً للعبودية والسؤال واإلخبات‬ ‫واإلنابة‪ ،‬فإن المكسور الضعيف هو من يليق به وصف العبد دون سواه‪ ،‬وهذا‬ ‫الوصف ال ينزع إال بتخلف شعور الضعف واالستكانة واالنكسار‪ ،‬وهذه العبودية التي‬ ‫تحصل بهذا المعنى هي العبودية الصادقة‪ ،‬ألنها عبودية قد ابتليت وفتنت ففيها الصدق‬ ‫في السؤال والرجاء واليقين‪ ،‬فشتان بين من يسأل وهو على الفقر والضعف والحاجة‬ ‫واالبتالء وبين من يسأل وقد ذهب عنه كل هذه المعاني‪.‬‬ ‫فهذه أول فوائد البالء وهو القرب من هللا تعالى بتحقق معنى العبادة هلل تعالى‪ ،‬ولذلك‬ ‫كانت الزمة من لوازم الطريق‪ ،‬دون النظر إلى مقام النفس معها‪ ،‬أتحبها أم تكرهها‪،‬‬ ‫فليس هذا مقصود العبادة‪ ،‬فهناك من يحب هذا المقام ويحصل له األنس به‪ ،‬بل هناك‬ ‫من يتمناه ويرقبه‪ ،‬وآخرون يكرهونه ويخافون وقوعه وال يحبونه‪ ،‬فإن وقع صبروا‬ ‫عليه ولم يزدهم وهم وقوع فيه إال ثباتا ً على الحق وكثرة دعاء بأن ينجيهم هللا منه‪،‬‬ ‫وكال الفريقين محسن مخبت‪ ،‬فهذا من مقام الشكر وآخر في مقام الصبر وهللا يقول‪:‬‬ ‫ور }‪.‬‬ ‫{ ِّإ َّن ِّفي ٰذَ ِّل َك َآل َيا ٍ‬ ‫صب ٍَّار َ‬ ‫شكُ ٍ‬ ‫ت ِّلكُ ِّّل َ‬ ‫ إن من فوائد االبتالء والمحن ثبوت صدق الدعوى‪ ،‬فإن الدعاوى إن لم يقم لها بنيات‬‫اس أ َ ْن يُتْ َركُوا أ َ ْن‬ ‫ب النَّ ُ‬ ‫فأبناؤها أدعياء‪ ،‬وهذا معنى قرآني جليل فاهلل يقول { أ َ َح ِّس َ‬ ‫صدَقُوا‬ ‫اَّللُ الَّ ِّذ َ‬ ‫ين ِّم ْن قَ ْب ِّل ِّه ْم ۖ فَلَيَ ْعلَ َم َّن َّ‬ ‫ون (*) َولَقَ ْد فَتَنَّا الَّ ِّذ َ‬ ‫يَقُولُوا آ َمنَّا َوهُ ْم َال يُ ْفتَنُ َ‬ ‫ين َ‬ ‫ين }‪ ،‬وهذا معنى قد تكرر في القرآن‪ ،‬فإن النعيم يبتلى به مقام الشكر‪،‬‬ ‫َولَ َي ْعلَ َم َّن ْالكَا ِّذ ِّب َ‬ ‫‪6‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫فإن حصل هذا المقام فقط دون غيره لم يحصل الكمال‪ ،‬ولذلك كان مقام الصبر وهو‬ ‫الذي ال يحصل إال بالبالء‪ ،‬وبهذين الدليلين يحصل صدق الدعوة‪ ،‬ومن فقه هذا من‬ ‫أهل القلوب علم أن االبتالء هو خير الفرص لتحقيق مقامات الصدق مع هللا تعالى‪،‬‬ ‫فإن وقع البالء فرح به على هذا المعنى‪ ،‬وهو قريب من قول الصحابة رضي هللا‬ ‫اَّللُ َو َرسُولُهُ‬ ‫اب قَالُوا ٰ َهذَا َما َو َعدَنَا َّ‬ ‫عنهم في األحزاب ‪َ { -:‬ولَ َّما َرأَى ْال ُمؤْ ِّمنُ َ‬ ‫ون ْاأل َ ْحزَ َ‬ ‫اَّللُ َو َرسُولُه ُ }‪ ،‬وهو من قول أنس بن النضر عم أنس بن مالك ‪ ( -:‬لئن‬ ‫صدَقَ َّ‬ ‫َو َ‬ ‫صدَقُوا َما‬ ‫أشهدني هللا قتال المشركين ليرين هللا ما أصنع ) فنزل قوله تعالى { ِّر َجا ٌل َ‬ ‫ض ٰى ن َْحبَه ُ َو ِّم ْن ُه ْم َم ْن يَ ْنت َِّظ ُر ۖ َو َما بَدَّلُوا ت َ ْب ِّد ً‬ ‫يال }‪ ،‬وفي مثل‬ ‫اَّلل َعلَ ْي ِّه ۖ فَ ِّم ْن ُه ْم َم ْن قَ َ‬ ‫َعا َهد ُوا َّ َ‬ ‫هذا الظرف والبالء ترتفع قيمة الحسنات والطاعات ويقع عليها قوله ملسو هيلع هللا ىلص ( العبادة في‬ ‫الهرج كهجرة إلي ) ولقد كان االبتالء كالكير يدخل إليه الذهب والزيوف‪ ،‬وال يعرف‬ ‫الفرق بينهما إال بالنار‪ ،‬حيث تثبت حقائق األشياء‪ ،‬ولهذا المعنى كانت ضرورة‬ ‫اإلبتالء حتى ال يكون مع هذا الدين الخبيث‪ ،‬فيفسد الدنيا والدين‪ ،‬وهللا يقول { َولَنَ ْبلُ َونَّكُ ْم‬ ‫ين }‪ ،‬وفي هذه اآلية بيان أن بالء اإليمان ال يكون‬ ‫صا ِّب ِّر َ‬ ‫َحت َّ ٰى نَ ْع َل َم ْال ُم َجا ِّه ِّد َ‬ ‫ين ِّم ْن ُك ْم َوال َّ‬ ‫إال في هذين الطرفين؛ الجهاد‪ ،‬والصبر‪ ،‬وفي زماننا هذا ال يعرف الصبر إال بالحبس‬ ‫والقيد‪ ،‬فاهلل تعالى ييسر للبعض سبل الجهاد فيقتل أو يصاب أو يرهق‪ ،‬فإما أن يثبت‬ ‫ويحمد ويشكر‪ ،‬وإما أن يفر وينتكس‪ ،‬وقد رأينا هذا الحال في أقوام‪ ،‬فال يحسد ويغبط‬ ‫كل من يسر هللا له الوصول إلى مواطن الجهاد‪ ،‬بل يحمد ويشكر من ثبت وصبر‪،‬‬ ‫وهناك من يحبسه هللا بالقيد والسجن عن الوصول إلى أرض الجهاد‪ ،‬فحاله كحال‬ ‫المجاهد‪ ،‬ويبتلى بما يبتلى به بال فرق إال أن المجاهد يشفي غيظه من عدوه‪ ،‬بخالف‬ ‫األسير فهو مقهور‪ ،‬فإن ثبت خرج كالذهب األصيل‪ ،‬وقد يكون هذا‪ -‬وهذا كثير‪ -‬أي‬ ‫القيد سببا ً لتحضير المرء لمواطن أخرى من الخير تحصل له اإلمامة فيه‪.‬‬ ‫والعبد الصالح ال اختيار له مع سيده‪ ،‬فإن وضعه هللا في الجهاد صبر وثبت وشكر‬ ‫فكان خيرا له‪ ،‬وإن وضعه في الصبر ثبت واستغل وقته في العبادة والنظر واالرتقاء‬ ‫‪7‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫فكان خيرا له‪ ،‬فبالحالين يقع إثبات صدق دعوى اإليمان والتسليم لرب العباد‪ ،‬ومن‬ ‫فهم االبتالء على هذا المعنى صبر وثبت ورضي بما قسم هللا تعالى له‪ ،‬وإن فاته هذا‬ ‫المعنى ضعف وربما انتكس‪ ،‬وال يستقيم هذا المعنى في قلب العبد إال أن يفقه أنه ما‬ ‫خلق إال لعبادة هللا‪ ،‬وأن الدنيا بكل ما فيها دار ابتالء كما قال تعالى { الَّ ِّذي َخلَقَ‬ ‫س ُن َع َم ًال } وأما بهائم البشر ممن يظن أن الحياة الدنيا‬ ‫ْال َم ْو َ‬ ‫ت َو ْال َحيَاة َ ِّليَ ْبلُ َوكُ ْم أَيُّكُ ْم أ َ ْح َ‬ ‫هي للترف والتنعم واتباع الهوى فهؤالء أبعد الناس عن هذه المعاني‪ ،‬نعوذ باهلل من‬ ‫الخذالن‪.‬‬ ‫ولتقوية هذا المعنى في القلب فإن من الخير أن يعظ المرء نفسه بأجر األعمال‬ ‫الصالحة في وقت البالء‪ ،‬وأنها تضاعف‪ ،‬بل تكون األعمال العادية الطبيعية الجبلية‬ ‫طاعات يكتب أجرها للعبد حال االبتالء وهذا يؤدي إلى معنى آخر يبين فوائد‬ ‫وضرورة البالء واالمتحان في سبيل هللا تعالى‪ " ،‬قالوا‪ :‬إذا رأيت سربال الدنيا قد‬ ‫تقلس عنك فاعلم أنه لطف بك‪ ،‬ألن المنعم لم يقبضه بخالً أن يتمزق‪ ،‬ولكن رفقا ً‬ ‫بالساعي أن يتعثر"‪.‬‬ ‫ يقول ملسو هيلع هللا ىلص ( ومن يتصبر يصبره هللا وما أعطي أحد عطاءا خيرا وأوسع من الصبر)‪،‬‬‫ويقول ملسو هيلع هللا ىلص ( ما من مسلم يصيبه أذى‪ ،‬شوكة فما فوقها إال كفر هللا بها سيئاته وحطت‬ ‫عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها)‪ ،‬فهذا الحال وهو حال البالء‪ ،‬به يحصل مقام‬ ‫الصبر يرتقي به المرء إلى مقامات ويحصل له به من الحسنات ما لم تحصل في أي‬ ‫حال آخر‪ ،‬فكما أن المرء يحتاج إلى الصالة لتغسل ذنوبه‪ ،‬فكذلك يحتاج للبالء‬ ‫لتحصل له الدرجات والحسنات‪ ،‬فإن فهم المرء هذا المعنى فهم معنى قوله صلى هللا‬ ‫عليه وسلم ( إن عظم الجزاء مع عظم البالء) فالخوف ليس على المبتلى‪ ،‬إنما الخوف‬ ‫على من مات ولم يصب في حياته ببالء‪ ،‬فإن األول تحط خطاياه‪ ،‬فيأتي يوم القيامة‬ ‫سليما ً منها‪ ،‬معافى من السؤال عنها‪ ،‬وأما الثاني فإنه يأتي معها وهي محيطة به‪،‬‬ ‫والعاقل قد يتعب نفسه رجاء الصحة أو المال والغنى‪ ،‬فيتعب وينصب ال لذات التعب‬ ‫‪8‬‬ ‫ِح ْك َمةُ اإلبْتالء‬ ‫الشيخ أبو قتادة‬ ‫واأللم لكن لما ينتج منها من العاقبة‪ ،‬فاهلل إن أحب عبدا ً وأراد له مقاما ً عظيما ً من‬ ‫الخير في اآلخرة وضعه في مقام الصبر الذي قال هللا تعالى فيه { ِّإنَّ َما يُ َوفَّى‬ ‫ب } وهذا األجر لم يأت قط إال للصبر والذي ال يكون‬ ‫صا ِّب ُر َ‬ ‫ال َّ‬ ‫سا ٍ‬ ‫ون أ َ ْج َرهُ ْم ِّبغَي ِّْر ِّح َ‬ ‫بالترف والدعة ولكن باالبتالء واالمتحان‪.‬‬ ‫وقد يعجز البعض عن فهم هذا المعنى وهو بلوغ المقامات وتكفير السيئات بما تكره‬ ‫النفوس‪ ،‬إذ يحب المرء العافية ويطلبها من هللا تعالى كما في الحديث الصحيح ( اللهم‬ ‫إني أسألك اليقين والعافية)‪ ،‬فكيف يطلب المرء العافية وهو يعلم أن االبتالء فيه‬ ‫مقامات عالية في الجنة مع تكقير السيئات؟ والجواب ‪ -:‬أن المكاره وهي سبيل الجنة‬ ‫كما في الحديث الصحيح ال تكون إال بابتالء العافية واضطرابها‪ ،‬فالمرء له اختيار‪،‬‬ ‫وهللا له تدبير وتقدير‪ ،‬وتقدير هللا تعالى خير للعبد من اختيار العبد كما في قوله تعالى‬ ‫ت ال َّ‬ ‫{ َوت ََود َ‬ ‫ُّون أ َ َّن َغي َْر ذَا ِّ‬ ‫ب َعلَ ْيكُ ُم ْال ِّقت َا ُل َوه َُو كُ ْره ٌ‬ ‫ش ْو َك ِّة تَكُو ُن لَكُ ْم } وقوله تعالى { كُ ِّت َ‬ ‫ش ْيئًا َوه َُو َخي ٌْر لَكُ ْم }‪ ،‬فالمرء يقع في البالء لتقدير هللا تعالى‬ ‫س ٰى أ َ ْن ت َ ْك َرهُوا َ‬ ‫لَكُ ْم ۖ َو َع َ‬ ‫له‪ ،‬وهو خير له‪ ،‬وهو يطلب العافية ألنها راحة له‪ ،‬وهنا يقع في قلب العبد الرضى‬ ‫باختيار هللا تعالى على اختياره‪ ،‬وعلى مراد هللا تعالى على مراده‪ ،‬والمرء يتمنى‬ ‫الخير العظيم مع العافية التامة‪ ،‬وهذا جمع غير واقع في هذه الحياة الدنيا‪ ،‬وإنما حال‬ ‫العبد بين أمرين قالهما هللا تعالى في كتابه { فَإِّ َّن َم َع ْالعُ ْس ِّر يُ ْس ًرا (*) فَإِّ َّن َم َع ْالعُ ْس ِّر‬ ‫يُ ْس ًرا }‪ ،‬فهو بين يسر وعسر‪ ،‬ليحصل له مقام الشاكر الصابر‪ ،‬والمرء ال يتمنى البالء‬ ‫أبدا ً بل يدعوا بالعافية‪ ،‬مع أن البالء قدر ال فرار منه ‪ ،‬ولكن إن وقع به البالء صبر‬ ‫ورجى األجر العظيم وبلوغ الدرجات التي رتبت على حاله‪.‬‬ ‫والقصد أن هللا تعالى إن أراد من عبد بلوغ درجة من درجات القرب وتكفير السيئات‬ ‫قدر له البالء‪ ،‬بل إن هناك من الدرجات ال يبلغه العبد إال بالصبرعلى االمتحان‪ ،‬وهذا‬ ‫يعرف في سنن الحياة‪ ،‬فإن السيد إن أراد رفعة لعبده وضعه في مقام االمتحان حتى‬ ‫يعلم حاله فيرقيه بحسب نجاحه وإتيانه باألجر على الوجه الذي يحبه سيده‪ ،‬وهو شبيه‬ ‫‪9‬‬

Download 7ekmat ebtila

7ekmat-ebtila.pdf . PDF . 557.04 KB . 26 pages

Download PDF

File information

File name
7ekmat-ebtila.pdf
Author
qata ozzy
Size
557.04 KB
Pages
26 pages
PDF version
1.5
Produced with
Microsoft® Office Word 2007
Filed on
05/04/2014
Page views
680
Document ID
7ekmat-ebtila
MD5
17b348d172e683c20f18bd2584011e05
SHA-512
4c0c675c47c7049bbb1f71803067e3e79f9d3d7aad0ad30c8bb6d586edfa09d67dc4f0ba0463ba8c2f9f24daa563b7668467d6f77a2703b72d4a85207e6362e8

Share this document

This address never changes. It is the one to keep, to send, or to cite.

Shorter, for a text message or a post with a character limit.

To link to this document from a website or a blog.