حِـ ـ ـ ـكِ ـمِةِِِاإلبـ ـ ـِت ـ ـلِءِ
بقلم
الشيخ عمر بن محمود أبو عمر
أبو قتادة
حفظه هللا تعالى
5341هـ 4153 -م
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
إهـ ـداء
أهدي ه ذا الكتاب إلى ابنتي وابن أخي
بمناسبة زواجهما.
2
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
بسم
ميحرلا نمحرلا هللا
وبه نستعين
الحمد هلل رب العالمين ،والصالة والسالم على دمحم األمين ،وعلى آله الطيبين
الطاهرين ،وعلى صحبه أجمعين ،آمين ،أما بعد،
ي وعليك من رحمته ،ووسعنا جميعا
فيا أبا عبد هللا حفظك هللا لطاعته ،وأسبغ عل ّ
بمغفرته ،تطلب مني أن أكتب لك شيئا ً تُح ِّلّي به نفسك ،وترفع به همتك ،وتقوي فيك
الصبر على ما نحن فيه من أحوال ،وأنت تعلم أن طريق والية هللا طريق الصبر
واليقين ،ألنه يجمع أمرين اثنين هما :صعوبة ومشقة الحال ،وراحة ونوال المطلوب
في المآل ،فاألول ال يقطع إال بالصبر والثاني ال يحصل إال باليقين ،فنحن اليوم وإن
كنا في القيد واألسر ،ويتحكم فينا أنزال سفلة ،يغلقون عنا الخير الذي نريده من
الجهاد ،ويمنعون عنا أعظم ما يحتاجه اإلنسان وهو الحرية لقوله تعالىَ { -:ولَ ْو أَنَّا
سكُ ْم أ َ ِّو ْ
اركُ ْم َما َفعَلُوه ُ } وقد جمع هللا كراهية
َكت َ ْبنَا َعلَ ْي ِّه ْم أ َ ِّن ا ْقتُلُوا أَ ْنفُ َ
اخ ُر ُجوا ِّم ْن ِّديَ ِّ
قتل المرء نفسه مع خروجه من دياره في مقام واحد ،وذلك لعظم خروج المرء من
دياره ،والسجين يعاني أشد من إخراجه من دياره ،فهو فيه هذا وفيه أكثر وهو القيد
ض } لقول
حتى عد بعض أهل العلم السجن هو تطبيق لقوله تعالى { أ َ ْو يُ ْنف َْوا ِّم َن ْاأل َ ْر ِّ
الشاعر:
إذا جاءنا السجان يوما ً لحاجة
عجبنا وقلنا جاء هذا من الدنيا
لكن يا صاحبي وأخي إن ما يرطب ذلك كله أن هناك الدار اآلخرة ،وهناك الحساب
والجنة والنار ،وهي حقائق أعظم من حقيقة اللحظة التي نعيشها ،فإن لحظات هذه
3
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
الدنيا زائلة ذاهبة ،ولحظات الجنان مقيمة دائمة ،فوهللا لو كشف للمظلوم المسجون
بسبب دينه وحبه الجهاد ماله من األجر في اآلخرة لتمنى أن ال يخرج مما هو فيه،
ل كننا أبناء الدنيا يا أبا عبد هللا ،فلنا شهواتنا ورغباتنا ،وفي داخلنا إنسان مركب على
حب النعيم ،فال تجزع وال تحزن ،وليكن من يقينك الذي ال تغفله أن العاقبة للمتقين،
فنحن نركض إلى اليسر من العسر الذي نحن فيه ،وخصومنا المجرمون يركضون
إلى العسر من اليسر الذي هم فيه ،فنحن أسعد منهم بكثير ،كما أن من يقين المؤمن أن
النصر آت ،حتى لو تأخر حينا ،فإن للتأخر حسنات منها ما تحقق من تأخر الفرج عن
يوسف عليه السالم لقوله تعالىَ { :فلَ ِّب َ
ين } فإنه لو خرج يومها
س ْج ِّن ِّب ْ
ض َع ِّس ِّن َ
ث ِّفي ال ِّ ّ
لما خرج إلى الملك والتمكين في األرض ،لكنه لما تأخر الفرج كانت العاقبة أعظم
وأفضل للمبتلى المظلوم.
أخي أبا عبد هللا-:
تطلب مني كلمات تعينك على هذه المحنة ،وهل هناك أعظم من أن أتلوا وإياك آيات
الصبر التي تسلي مثلي ومثلك!
فنحن يا صديقي عبيد هلل تعالى ،وحقيقة العبودية ال تقوم على االختيار ،بل ال تقوم إال
على التسليم لما يختاره سيده له ،فإن هللا تعالى هو حسبنا ووكيلنا ،يضعنا حيث يريد
مما يحقق الخير لنا ولدينه ،ونقبل ذلك منه حتى لو كرهته نفوسنا ،فإن الخير ليس ما
ش ْيئًا َوه َُو َخي ٌْر لَكُ ْم ۖ
س ٰى أ َ ْن ت َ ْك َرهُوا َ
نحب ،وليس الشر هو ما يكره ،فاهلل يقولَ { :و َع َ
ت ال َّ
ش ْو َك ِّة تَكُو ُن
س ٰى أ َ ْن ت ُ ِّحبُّوا َ
ش ْيئًا َوه َُو ش ٌَّر لَكُ ْم } وهللا يقول { َوت ََود َ
ُّون أ َ َّن َغي َْر ذَا ِّ
َو َع َ
لَكُ ْم }.
فتفكر في آثار هذا الذي نكرهه من القيد من الخير ترى أشياء كثيرة هي أعظم في
ميزان العقل والهدى من البقاء أحرارا ً ،فإن البالء وإن كان مكروها ً في الحال ،إال أنه
خير في المآل للمؤمن كما قال ملسو هيلع هللا ىلص ":إن أمر المؤمن كله له خير" ،ولع ّل من الخير أن
4
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
أتذاكر معك بعض فوائد البالء في سبيل هللا تعالى ،وسأكتب لك تباعا ً بعض هذه
الفوائد لنراجعها معاً ،واقرأها مع إخوانك إن أحببت.
فوائد اإلبتالء في سبيل هللا تعالى -:
***
إ َّن أول الفوائد العاجلة التي تحصل بالبالء في سبيل هللا تعالى أن العبد يقرب فيهامن ربه ،فإن دعاء الغريق ليس كدعاء الجالس مطمئنا ً على شاطئ النعيم ،فإن دعاء
األول يحضر به القلب ،ويتوجه اإلنسان بكليته إلى مواله الرحيم ،ولذلك كان
ير ِّإ َّال
المترفون أبعد الناس عن الذكرى كما قال تعالى { َو َما أَ ْر َ
س ْلنَا ِّفي قَ ْر َي ٍة ِّم ْن نَ ِّذ ٍ
ون } ،فإن الترف يدعو للهو والغفلة والنسيان،
قَا َل ُمتْ َرفُو َها ِّإنَّا ِّب َما أ ُ ْر ِّس ْلت ُ ْم ِّب ِّه كَا ِّف ُر َ
وقلة المصائب تضعف شعور الفقر والحاجة ،فإذا جاءت المصائب تذكر المرء ضعفه
وحاجته فيلجأ لربه الرحمن ،ويفزع للدعاء والسؤال ،فيبلغ بهذا السؤال واالستغاثة
وشعور الفقر والضعف ما ال يبلغه بكثير من العبادات إن كان طائعاً ،فكيف إذا كان
في ترفه بعيدا ً عن الطاعة بالكلية ،ولهذا المعنى كان الصالحون يحبون البالء لما
يحسونه من معاني الفقر وصدق الدعاء واإلستغاثة ،ولو لم يكن في البالء إال هذا
المعنى لكفى ،فإن العبادة مقصود الرب في الوجود ،ومقام العبودية ال يتحقق إال بالذل
واإلخبات واإلنابة ،فلهذا كان البالء هو أعظم مقام يلزم العبودية ،وال يتخلف عنها
البتة كما قال ملسو هيلع هللا ىلص" -:أشد الناس بالء األنبياء ثم األمثل فاألمثل" وكقوله "يبتلى الرجل
على قدر دينه" ،فإن فهمت هذا أدركت أن العبودية هلل تعالى ابتالء ،وهي كذلك نعمة
عظيمة ،وحين يعسر على المرء فهم هذه المناقضة بين البالء الذي تكرهه النفس وبين
صا ِّل ًحا ِّم ْن ذَك ٍَر أ َ ْو أ ُ ْنث َ ٰى َوه َُو ُمؤْ ِّم ٌن
العبودية التي يحصل بها قوله تعالى { َم ْن َ
ع ِّم َل َ
فَلَنُ ْح ِّييَنَّه ُ َحيَاة ً َ
ط ِّيّبَةً } يرى أن هذا الحوار ،فبالبالء الذي تكرهه النفس يحصل القرب
لرب العباد بالدعاء واالستغاثة ،وهذه لها معاني النعيم في قلب المؤمن ،ويحصل بها
5
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
ذوق اإليمان والشعور به مع المتعة به ،وهذا كله في مقام واحد ال يشعر به وال يفهمه
إال من عاناه وعاشه وتقلب فيه.
فبالبالء تحصل العبودية القائمة على التذلل والسؤال واالستغاثة ،كما هو حال أيوب
ويوسف وإسحق وزكريا عليهم السالم ،وذلك فيما وقع لهم من البالء البدني والعائلي،
وغيرهم من البالء الذي حصل لهم في نفوسهم وأهليهم كحال إمام الحنفاء إبراهيم
عليه السالم ،وما من نبي إال وابتلي في دعوته إلى هللا من قومه كما هو مبسوط في
كتاب هللا تعالى ،وقد كان هذا البالء بكل أنواعه سببا ً للعبودية والسؤال واإلخبات
واإلنابة ،فإن المكسور الضعيف هو من يليق به وصف العبد دون سواه ،وهذا
الوصف ال ينزع إال بتخلف شعور الضعف واالستكانة واالنكسار ،وهذه العبودية التي
تحصل بهذا المعنى هي العبودية الصادقة ،ألنها عبودية قد ابتليت وفتنت ففيها الصدق
في السؤال والرجاء واليقين ،فشتان بين من يسأل وهو على الفقر والضعف والحاجة
واالبتالء وبين من يسأل وقد ذهب عنه كل هذه المعاني.
فهذه أول فوائد البالء وهو القرب من هللا تعالى بتحقق معنى العبادة هلل تعالى ،ولذلك
كانت الزمة من لوازم الطريق ،دون النظر إلى مقام النفس معها ،أتحبها أم تكرهها،
فليس هذا مقصود العبادة ،فهناك من يحب هذا المقام ويحصل له األنس به ،بل هناك
من يتمناه ويرقبه ،وآخرون يكرهونه ويخافون وقوعه وال يحبونه ،فإن وقع صبروا
عليه ولم يزدهم وهم وقوع فيه إال ثباتا ً على الحق وكثرة دعاء بأن ينجيهم هللا منه،
وكال الفريقين محسن مخبت ،فهذا من مقام الشكر وآخر في مقام الصبر وهللا يقول:
ور }.
{ ِّإ َّن ِّفي ٰذَ ِّل َك َآل َيا ٍ
صب ٍَّار َ
شكُ ٍ
ت ِّلكُ ِّّل َ
إن من فوائد االبتالء والمحن ثبوت صدق الدعوى ،فإن الدعاوى إن لم يقم لها بنياتاس أ َ ْن يُتْ َركُوا أ َ ْن
ب النَّ ُ
فأبناؤها أدعياء ،وهذا معنى قرآني جليل فاهلل يقول { أ َ َح ِّس َ
صدَقُوا
اَّللُ الَّ ِّذ َ
ين ِّم ْن قَ ْب ِّل ِّه ْم ۖ فَلَيَ ْعلَ َم َّن َّ
ون (*) َولَقَ ْد فَتَنَّا الَّ ِّذ َ
يَقُولُوا آ َمنَّا َوهُ ْم َال يُ ْفتَنُ َ
ين َ
ين } ،وهذا معنى قد تكرر في القرآن ،فإن النعيم يبتلى به مقام الشكر،
َولَ َي ْعلَ َم َّن ْالكَا ِّذ ِّب َ
6
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
فإن حصل هذا المقام فقط دون غيره لم يحصل الكمال ،ولذلك كان مقام الصبر وهو
الذي ال يحصل إال بالبالء ،وبهذين الدليلين يحصل صدق الدعوة ،ومن فقه هذا من
أهل القلوب علم أن االبتالء هو خير الفرص لتحقيق مقامات الصدق مع هللا تعالى،
فإن وقع البالء فرح به على هذا المعنى ،وهو قريب من قول الصحابة رضي هللا
اَّللُ َو َرسُولُهُ
اب قَالُوا ٰ َهذَا َما َو َعدَنَا َّ
عنهم في األحزاب َ { -:ولَ َّما َرأَى ْال ُمؤْ ِّمنُ َ
ون ْاأل َ ْحزَ َ
اَّللُ َو َرسُولُه ُ } ،وهو من قول أنس بن النضر عم أنس بن مالك ( -:لئن
صدَقَ َّ
َو َ
صدَقُوا َما
أشهدني هللا قتال المشركين ليرين هللا ما أصنع ) فنزل قوله تعالى { ِّر َجا ٌل َ
ض ٰى ن َْحبَه ُ َو ِّم ْن ُه ْم َم ْن يَ ْنت َِّظ ُر ۖ َو َما بَدَّلُوا ت َ ْب ِّد ً
يال } ،وفي مثل
اَّلل َعلَ ْي ِّه ۖ فَ ِّم ْن ُه ْم َم ْن قَ َ
َعا َهد ُوا َّ َ
هذا الظرف والبالء ترتفع قيمة الحسنات والطاعات ويقع عليها قوله ملسو هيلع هللا ىلص ( العبادة في
الهرج كهجرة إلي ) ولقد كان االبتالء كالكير يدخل إليه الذهب والزيوف ،وال يعرف
الفرق بينهما إال بالنار ،حيث تثبت حقائق األشياء ،ولهذا المعنى كانت ضرورة
اإلبتالء حتى ال يكون مع هذا الدين الخبيث ،فيفسد الدنيا والدين ،وهللا يقول { َولَنَ ْبلُ َونَّكُ ْم
ين } ،وفي هذه اآلية بيان أن بالء اإليمان ال يكون
صا ِّب ِّر َ
َحت َّ ٰى نَ ْع َل َم ْال ُم َجا ِّه ِّد َ
ين ِّم ْن ُك ْم َوال َّ
إال في هذين الطرفين؛ الجهاد ،والصبر ،وفي زماننا هذا ال يعرف الصبر إال بالحبس
والقيد ،فاهلل تعالى ييسر للبعض سبل الجهاد فيقتل أو يصاب أو يرهق ،فإما أن يثبت
ويحمد ويشكر ،وإما أن يفر وينتكس ،وقد رأينا هذا الحال في أقوام ،فال يحسد ويغبط
كل من يسر هللا له الوصول إلى مواطن الجهاد ،بل يحمد ويشكر من ثبت وصبر،
وهناك من يحبسه هللا بالقيد والسجن عن الوصول إلى أرض الجهاد ،فحاله كحال
المجاهد ،ويبتلى بما يبتلى به بال فرق إال أن المجاهد يشفي غيظه من عدوه ،بخالف
األسير فهو مقهور ،فإن ثبت خرج كالذهب األصيل ،وقد يكون هذا -وهذا كثير -أي
القيد سببا ً لتحضير المرء لمواطن أخرى من الخير تحصل له اإلمامة فيه.
والعبد الصالح ال اختيار له مع سيده ،فإن وضعه هللا في الجهاد صبر وثبت وشكر
فكان خيرا له ،وإن وضعه في الصبر ثبت واستغل وقته في العبادة والنظر واالرتقاء
7
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
فكان خيرا له ،فبالحالين يقع إثبات صدق دعوى اإليمان والتسليم لرب العباد ،ومن
فهم االبتالء على هذا المعنى صبر وثبت ورضي بما قسم هللا تعالى له ،وإن فاته هذا
المعنى ضعف وربما انتكس ،وال يستقيم هذا المعنى في قلب العبد إال أن يفقه أنه ما
خلق إال لعبادة هللا ،وأن الدنيا بكل ما فيها دار ابتالء كما قال تعالى { الَّ ِّذي َخلَقَ
س ُن َع َم ًال } وأما بهائم البشر ممن يظن أن الحياة الدنيا
ْال َم ْو َ
ت َو ْال َحيَاة َ ِّليَ ْبلُ َوكُ ْم أَيُّكُ ْم أ َ ْح َ
هي للترف والتنعم واتباع الهوى فهؤالء أبعد الناس عن هذه المعاني ،نعوذ باهلل من
الخذالن.
ولتقوية هذا المعنى في القلب فإن من الخير أن يعظ المرء نفسه بأجر األعمال
الصالحة في وقت البالء ،وأنها تضاعف ،بل تكون األعمال العادية الطبيعية الجبلية
طاعات يكتب أجرها للعبد حال االبتالء وهذا يؤدي إلى معنى آخر يبين فوائد
وضرورة البالء واالمتحان في سبيل هللا تعالى " ،قالوا :إذا رأيت سربال الدنيا قد
تقلس عنك فاعلم أنه لطف بك ،ألن المنعم لم يقبضه بخالً أن يتمزق ،ولكن رفقا ً
بالساعي أن يتعثر".
يقول ملسو هيلع هللا ىلص ( ومن يتصبر يصبره هللا وما أعطي أحد عطاءا خيرا وأوسع من الصبر)،ويقول ملسو هيلع هللا ىلص ( ما من مسلم يصيبه أذى ،شوكة فما فوقها إال كفر هللا بها سيئاته وحطت
عنه ذنوبه كما تحط الشجرة ورقها) ،فهذا الحال وهو حال البالء ،به يحصل مقام
الصبر يرتقي به المرء إلى مقامات ويحصل له به من الحسنات ما لم تحصل في أي
حال آخر ،فكما أن المرء يحتاج إلى الصالة لتغسل ذنوبه ،فكذلك يحتاج للبالء
لتحصل له الدرجات والحسنات ،فإن فهم المرء هذا المعنى فهم معنى قوله صلى هللا
عليه وسلم ( إن عظم الجزاء مع عظم البالء) فالخوف ليس على المبتلى ،إنما الخوف
على من مات ولم يصب في حياته ببالء ،فإن األول تحط خطاياه ،فيأتي يوم القيامة
سليما ً منها ،معافى من السؤال عنها ،وأما الثاني فإنه يأتي معها وهي محيطة به،
والعاقل قد يتعب نفسه رجاء الصحة أو المال والغنى ،فيتعب وينصب ال لذات التعب
8
ِح ْك َمةُ اإلبْتالء
الشيخ أبو قتادة
واأللم لكن لما ينتج منها من العاقبة ،فاهلل إن أحب عبدا ً وأراد له مقاما ً عظيما ً من
الخير في اآلخرة وضعه في مقام الصبر الذي قال هللا تعالى فيه { ِّإنَّ َما يُ َوفَّى
ب } وهذا األجر لم يأت قط إال للصبر والذي ال يكون
صا ِّب ُر َ
ال َّ
سا ٍ
ون أ َ ْج َرهُ ْم ِّبغَي ِّْر ِّح َ
بالترف والدعة ولكن باالبتالء واالمتحان.
وقد يعجز البعض عن فهم هذا المعنى وهو بلوغ المقامات وتكفير السيئات بما تكره
النفوس ،إذ يحب المرء العافية ويطلبها من هللا تعالى كما في الحديث الصحيح ( اللهم
إني أسألك اليقين والعافية) ،فكيف يطلب المرء العافية وهو يعلم أن االبتالء فيه
مقامات عالية في الجنة مع تكقير السيئات؟ والجواب -:أن المكاره وهي سبيل الجنة
كما في الحديث الصحيح ال تكون إال بابتالء العافية واضطرابها ،فالمرء له اختيار،
وهللا له تدبير وتقدير ،وتقدير هللا تعالى خير للعبد من اختيار العبد كما في قوله تعالى
ت ال َّ
{ َوت ََود َ
ُّون أ َ َّن َغي َْر ذَا ِّ
ب َعلَ ْيكُ ُم ْال ِّقت َا ُل َوه َُو كُ ْره ٌ
ش ْو َك ِّة تَكُو ُن لَكُ ْم } وقوله تعالى { كُ ِّت َ
ش ْيئًا َوه َُو َخي ٌْر لَكُ ْم } ،فالمرء يقع في البالء لتقدير هللا تعالى
س ٰى أ َ ْن ت َ ْك َرهُوا َ
لَكُ ْم ۖ َو َع َ
له ،وهو خير له ،وهو يطلب العافية ألنها راحة له ،وهنا يقع في قلب العبد الرضى
باختيار هللا تعالى على اختياره ،وعلى مراد هللا تعالى على مراده ،والمرء يتمنى
الخير العظيم مع العافية التامة ،وهذا جمع غير واقع في هذه الحياة الدنيا ،وإنما حال
العبد بين أمرين قالهما هللا تعالى في كتابه { فَإِّ َّن َم َع ْالعُ ْس ِّر يُ ْس ًرا (*) فَإِّ َّن َم َع ْالعُ ْس ِّر
يُ ْس ًرا } ،فهو بين يسر وعسر ،ليحصل له مقام الشاكر الصابر ،والمرء ال يتمنى البالء
أبدا ً بل يدعوا بالعافية ،مع أن البالء قدر ال فرار منه ،ولكن إن وقع به البالء صبر
ورجى األجر العظيم وبلوغ الدرجات التي رتبت على حاله.
والقصد أن هللا تعالى إن أراد من عبد بلوغ درجة من درجات القرب وتكفير السيئات
قدر له البالء ،بل إن هناك من الدرجات ال يبلغه العبد إال بالصبرعلى االمتحان ،وهذا
يعرف في سنن الحياة ،فإن السيد إن أراد رفعة لعبده وضعه في مقام االمتحان حتى
يعلم حاله فيرقيه بحسب نجاحه وإتيانه باألجر على الوجه الذي يحبه سيده ،وهو شبيه
9